|
الحشـــرات .. غذاء صحى السيد الدكتور/ فوزى عبد القادر الفيشاوى |
|
|
قسم علوم وتكنولوجيا الأغذية - كلية الزراعة - جامعة أسيوط |
|
المقدمة
الجراد .. طعام لكل العصور
لحم الجرادات من النباتات
نأكل
الجراد أم نقتله
الجراد على موائد الطعام
الجراد مغذيات ومذاقات
مرحباً بأطباق الجنادب والصراصير
طعامنا مـن البــق
فراشات فى المعدات
الطعام من دود الموبان
أطباق من دودة الشمع
ما ألذ دود الصبار
يرقات الخنافس .. غذاء
سوسة النخيل على المائدة
دود الحرير طعام مفيد
لماذا لا نأكل يرقات النحل ؟
النمل ثروة مغذية
وجبة نمل بطعم الزبيب
طعام أسمه " الترميت "
سيكلوجية المائدة الحشرية
الحشرات وفجوة الغذاء
أنهم آكلو الحشرات
مورد بروتينى لا ينضب
لا تتعجب .. نحن نأكل الحشرات
الإفادة لا الإبادة
![]()
أعترف أنني مثل الكثيرين، أشعر ببعض الضيق والاشمئزاز إذا اقتربت منى إحدى الحشرات غير أن علماء التغذية عقدوا العزم على ترويض مشاعرنا إزاء هذه المخلوقات لا لكى نتقبل وجودها فى بيئتنا فحسب، بل لأجل أن نتقبل وجودها فى مآكلنا أيضاً. ومن يدرى فربما نقع جميعاً فى هوى أطباق طعام أُعدت ياللعجب من لحوم الحشرات !!
ليس ثمة ما هو أعظم إثارة من عالم الحشرات. ذلكم العالم الواسع الفضفاض، الذى ينطوى على أنواع شتى، منها ما يعيش على اليابسة، وما يعيش فى التربة، وغيرها الذى يعيش فى الملح أو العذب من الماء، وسواها الذي يغدو ويروح فى الهواء. وهو بحق أغنى عوالم الأحياء طراً . إذ تمثل الحشرات نصف الأنواع البيولوجية المتواجدة على سطح الأرض، فأنواعها تقارب المليون عداً، فى حين لا يتجاوز عدد أنواع بقية الكائنات الحية من نبات وحيوان المليون. بل أننا نستطيع أن نقول أعجب من هذا فلو أننا طبعنا كافة أسماء الحشرات المعروفة بأحرف صغيرة على صفحات من ورق كبير وفى كل صفحة عمودان، وفى كل عمود مائة سطر لملأت أسماؤها مجلداً ضخماً يتألف من آلاف الصفحات.
وإن نظرة واحدة لمثل هذا الحشد الهائل من المخلوقات، تقنع المرء باستحالة التعرف عليها جميعاً . ونظرة أخرى متأملة فى طبائع حياتها، وفى أنماط معيشتها وسلوكها تقنعنا بأننا لم نكن أبداً منصفين حيالها. فالحشرات لدى الكثيرين منا ليست سوى أعداء للإنسان تضره فى نفسه وفى ماله وفى مزروعاته وفى محاصيله المخزونة وفى حيواناته المرباة على الدوام. على أننا حين نمعن فى عالم الحشرات النظر، سوف نفاجأ بأعز أصدقاء الإنسان، بل إن من أنواعها مالا تستقيم حياة الناس فى بعض الجهات، إلا إذا أنس إليها وعنى بتربيتها على أوفق حال. والقول الحق أننا نتجنى عليها، إن رميناها دوماً بالشر، وذكرنا ضرر بعضها ولم نذكر خير بعضها الآخر. إذ ليس من الإنصاف أن نتجاهل أن غالبية أنواعها لا ضرر منها على الإطلاق، وأن الكثير منها مفيد وبدونها لا تنجح بعض الزراعات، بل إن منها ما يصلح لنا طعاماً صحياً مفيداً ومصدراً بروتينياً ثرياً ولذيذ الطعم فى نفس الآن.
ثمة مجموعة من شركات تصنيع الأغذية الأمريكية، بدأت منذ سنوات فى الترويج لمنتجات مبتكرة عصرية من المعلبات الغذائية تقول عنها " أنها أغذية الصحة والعافية ". والمفاجأة أن هذه المنتجات العصرية ليست سوى حشرات محفوظة تنتمى إلى رتبة الحشرات (مستقيمة الأجنحة) Orthoptera التى تضم أنواعاً عديدة من الجراد Locusts والنطاطات ونحوها .
وهكذا فحين تزور اليوم إحدى الأسواق المركزية (السوبر ماركت) فى أقصى الغرب .. فى الولايات المتحدة سوف يلفت نظرك عبوات رائعة لشيكولاتة الجراد، وأنماط متعددة لمعلبات النطاطات المغلفة بالشيكولاته معروضة على الرفوف. وفى أقصى الشرق فى تايلاند واليابان، نجد معاهد بحثية وشركات غذائية تعضد هذا الاتجاه. وتلقى منتجاتها من معلبات الجراد المحفوظ إقبالاً منقطع النظير بين جموع الآكلين. ولكن كم من السنين أُكل الجراد وازدهرت أطباقه المغذية فى عشرات البلدان النامية التى تقع فى نطاق حزام انتشار الجراد، قبل أن تصل معلباته المحفوظة إلى رفوف السوبر ماركت فى الولايات المتحدة أو اليابان ؟ لا أحد يعرف بالضبط، ولكن الذى لا ريب فيه أن الجراد استخدم كغذاء للإنسان منذ زمن بعيد. تخبرنا صحائف التاريخ أن بنى إسرائيل من أتباع موسىu، كانوا من محبى أكل الجراد. وقد جاء فى التوراة " إنكم تأكلون الجراد بأنواعه والخنافس بأنواعها والنطاط بأنواعه". وتخبرنا أيضاً أن النبى يحيى u كان يأكل الجراد حين كان يعيش بالصحراء. وكذلك فعل المسلمون منذ العصر الإسلامي الأول فقد عدوه هبة من الله. وإنك واجد فى كتب الفقه فصلاً كاملاً عن أكل الجراد، وفيه نقرأ عن إجماع الفقهاء على جواز أكله وعلى وجوه كثيرة. وما ذاك إلا صدى لأحاديث نبوية شريفة، تحبذ أكله، مثل قول النبى r: " أحلت لنا ميتتان ودمان، السمك والجراد والكبد والطحال" (رواه أحمد وابن ماجه)، وكذلك الحديث الذى رواه الجماعة إلا ابن ماجه، عن عبد الله بن أبى أوفى، القائل " غزونا مع النبى صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل معه الجراد " .
على الرغم من أن الناس لم يتذوقوا جميعهم لحم الجراد، إلا أن حقيقة تغذية الجراد على النباتات النظيفة الخضراء (لا على الجيف أو لحوم الحيوانات أو دماء الإنسان والحيوان)، جعلت الناس تطمئن إلى طيب منبته، وتوقن برفعة قيمته. والحق أن الجراد أوتى قدرة لا تبارى على معالجة واستخلاص العناصر الغذائية المفيدة من شتى أجزاء النبات كالأوراق والأزهار والثمار والبراعم ولحاء الأشجار. هذا على الرغم من أن الخلايا النباتية هي التي تنطوي على المواد المغذية القابلة للهضم تكون محاطة بأغلفة سليولوزية تستعصى على فعل الإنزيمات، وها هنا تتجلى قدرة الجرادات للوصول إلى كنوز المغذيات حيث تعمد إلى تمزيق الأغلفة ميكانيكياً بفعل حركات الفكوك القوية وقضمات الأفواه، وبهذا تتكشف المواد القابلة للهضم التى بداخل الخلايا، ويسهل وصول الإنزيمات الهاضمة إليها ، ويتيسر هضمها والاغتذاء عليها فتزداد نمواً، وتتضاعف فى الأوزان. ومما يستطاب ذكره أن الجرادة الواحدة تزن نحو جرامين فى أسابيع فقسها الأولى. وهى تستطيع أن تأكل فى كل يوم قدر وزنها من النباتات. وهى تزداد وزناً شيئاً فشيئاً حتى يبلغ وزنها 3-5 جرامات. وكلما ازدادت وزناً تضاعف ما تأكل من أعشاب نظيفة ونباتات. وهذا بيت القصيد، فالثابت علمياً أن نوع الغذاء الذى يتغذى به الحيوان يعد هو المقياس الذى يحدد قابلية لحمة لتغذية الإنسان. ولأن التغذية النباتية هى أطيب ما يتغذى به الحيوان، فقد صار لحم الجراد من أطيب ما يتغذى به الإنسان، لاسيما فى نطاق الرقعة الواسعة التى تشهد مواسم تكاثر الجراد أو هجرته. وهى التى تضم نحواً من 64 دولة وإقليماً، تتركز فى قارتى أفريقيا وآسيا، وتبدو موزعة على ثلاث مناطق رئيسية .
المنطقة الأولى هى التى تشهد أحداث التكاثر الصيفى، وتشمل بلداناً أفريقية عدة مثل (السنغال ومالى وموريتانيا والنيجر ونيجيريا وإثيوبيا وتشاد والسودان). ومن الدول الآسيوية (اليمن والهند وباكستان) .
أما منطقة التكاثر الشتوى، فهى تضم من القارة الأفريقية الصومال وشواطئ البحر الأحمر للسودان ومصر وإريتريا. ومن آسيا تشمل شواطئ البحر الأحمر للمملكة العربية السعودية واليمن وعمان، وساحل إيران على الخليج العربى. وتضم منطقة التكاثر الربيعى العديد من دول شمال أفريقيا، ومناطق من آسيا مثل أفغانستان وإيران وغرب باكستان والحدود الجنوبية لروسيا. ولئن كانت شعوب هذه البلدان ابتكرت على مدار الزمان آليات شتى لمكافحة وإبادة الجراد لئلا يمارس هوايته المفضلة فى التهام أجزاء النبات، وبعض مما لديهم من مزروعات غير أن حكمة السنين جعلت العقلاء منهم يعيدون النظر فى هذه الآليات. وظهر بقوة اتجاه يؤيد حكمة المجربين فى أن أفعل الطرق لمكافحة الجراد، هى أن نصيده ثم نجهز لحمه فى المطابخ، ونأكله فى الأطباق .
لقد كانت الأوساط العلمية تنظر حتى وقت ليس ببعيد إلى المنادين بمكافحة الجراد بأكله، لا بتسميمه وقتله، على أنهم خياليون لا يرجى لهم إصلاح. ولا يزال الكثيرون من رجالات " التخصص الضيق " يعتقدون أن الأنموذج المثالي للتعامل مع " آفة " الجراد هو فى القضاء عليها بأقسى أنواع المبيدات التى تنثر بالطائرات. ويتصاعد هجومهم على تلكم الآفة، حين يفيضون فى الحديث عن أضرارها فى كافة الأنحاء. ومن ذلك ما جرى فى ليبيا عام 1944 حين تسبب الجراد فى إتلاف ما يربو على 7 ملايين من مزارع العنب، وهو ما يمثل 19% من مجموع مساحات الأعناب. وكذلك ما حدث فى السودان عام 1954، حين أتلف الجراد نحواً من 55000 طن من الحبوب، ثم ما أحدثه الجراد من إهلاكات بأشجار الفواكه، وفيما بين عامى 1954 ، 1955 فى مدينة مراكش بالمغرب، والتى تجاوزت قيمتها 15 مليوناً من الدولارات، وأيضاً ما كان من خسائر فى السنغال عام 1957، والتى بلغت نحواً من 16000 طن من محصول الذرة الرفيعة ونحواً من 2000 طن من بقية المحاصيل، وما جرى فى العام نفسه فى غينيا حيث فقدت نحواً من 2000 طن من محصول البرتقال . ثم ما كان فى إثيوبيا عام 1958 ، من إتلاف ما يزيد على 170000 طن من الحبوب. أما الأقسى فهو ما أحدثه الجراد فى عام 1962 بالهند حين قضى على عشرة آلاف فدان من القطن، كما التهم ما يزيد على 176000 طن من الحبوب .
ولئن كنا لن نجادل فى هذه الحوادث المحزنة حقاً غير أنها لا تعنى أن الجراد شر كله، إذ أننا حين نمعن النظر فى الوجه الآخر للجراد نفاجأ بصديق مخلص لكل من البيئة والإنسان.
فها هى البحوث البيئية التى أعلنت نتائجها مؤخراً ، أبانت أن الجراد حتى، وهو يدمر المزروعات، يعمل كرسول خير للنبات. أهذا من قبيل الخيال ؟ كلا على الإطلاق فالفريق البحثى الذى يقوده عالم الحشرات " ميلفين داير " بجامعة " جورجيا " اكتشف خاصية فريدة للجراد لا نظير لها بين الأحياء. فقد دأب الجراد وهو يلتهم بعض أوراق النبات على منح غيرها التى يلامسها دون أن يأكلها قدراً من لعابه. ولكن الطريف أن الباحثين عثروا فى لعاب الجراد على جزئيات بروتينية (ببتيدات) نادرة ، تخصصت فى مضاعفة قدرة النبات على الإفادة مما لديه من الأكسين Auxin. وكما لا يخفى فالأكسين هرمون نباتى طبيعى يصنع فى منطقة انقسام الخلايا فى الجذور والسيقان ثم ينتقل إلى أماكن استطالة الخلايا بهما .لقد أجرى الباحثون تجربة مثيرة على نباتات فى طور النمو، فحين نثروا عليها قدراً من الأكسين، تضاعف نموها سريعاً بدرجة ملحوظة. ولكن حين عمدوا إلى إضافة الجزيئات البروتينية المأخوذة من لعاب الجراد تضاعف النمو " ألف مرة " أكثر مما كان لدى نثر الأكسين بمفرده على النباتات. فما الذى نستخلصه من هذا ؟
الواقع أن الجراد حتى وهو يلتهم بعض أوراق النبات، لا ينسى أن يفرز على سواها من الأوراق قدراً من الجزيئات البروتينية التى تستحثها على مضاعفة النمو مرات كثيرة ومرات. فالجراد وإن كان يأخذ فهو يعطى بأكثر مما أخذ. وياله من وجه مشرق للجراد! .و ثمة وجه آخر لا يقل إشراقاً يتمثل فيما أوتى من قدرة جبارة على تحويل ما يأخذ من نبات إلى بروتينات حيوانية، على نحو يفوق خمسة أضعاف ما يمكن أن تصنعه البقرة بالنبات. فهلا نعيد النظر فيما تمثله لنا " أسراب الجراد "!!.
إن علماء الحشرات يذكرون أن الجراد يتحرك دوماً فى أسراب عظيمة. لقد رصدوا سرباً مساحته 400 ميل مربع، يضم نحواً من 40000 مليون جرادة، بوزن لا يقل عن 160 ألف طن. فهذا سرب - ولا ريب - نذير شؤم، إن كانت " النظرة العجلى الضيقة " هى التى تسود. أما إن كانت الأخرى فإن الخير كل الخير فى أسراب الجراد. فعوضاً عن إبادة هذه الأعداد الغفيرة بسموم المبيدات، نفكر فى ابتكار وسائل جديدة لاصطيادها، ثم إعدادها للناس كطعام. وإذن نضرب عصفورين بحجر واحد: فمن جهة تقل كثافة الجراد، ويكون ذلك فى صالح النباتات. فالجرادات المطهية أو المحفوظة بالمعلبات أو المعروضة على رفوف المحلات ليس لها أى ضرر على الحياة النباتية أو المزروعات. ومن جهة أخرى فإننا نكون قد وفرنا لشعوبنا مورداً جديداً يضاف إلى مصادر اللحوم وإلى الموارد الغذائية البروتينية .
والآن ، فلتر ماذا أضافت شعوب العالم إلى موائد الطعام من أطباق لذيذة ومغذية، صنعت من لحم الجراد ؟ حين نولى نظرة أعمق إلى الشرق البعيد ونقلب فى أسفار العلم والحكمة فى رحاب بلاد الصين، نجد الصينيين القدامى والمحدثين من أكثر شعوب العالم معرفة بفضل لحم الجراد وقيمته كغذاء مفيد لصحة الإنسان.
ففى كل عام يتهيأ الصينيون لاستقبال أسراب الجراد، وهم يمنون أنفسهم بأشهى الوجبات، ولا يقل غرام الناس بالجراد فى تايلاند عن غرام جيرانهم من الصينيين. إذ يكفى أن نشير إلى ما جرى فى عام 1983، وفيما أعقبه من أعوام فى بعض المقاطعات التايلاندية .. فمنذ ذلك العام والمسئولون دأبوا على إطلاق إشارة البدء لحملات قومية تستهدف اصطياد وجمع الجراد فى سائر القرى والبلدان. وفى كل موسم يتيسر للقرويين جمع أطنان من الجراد يقومون بإعدادها على هيئة منتجات غذائية مقلية يستهلك منها ما يستهلك، ويصدر منها إلى الخارج ما يفيض. وفى الوقت نفسه نجد المعهد التايلاندى للأبحاث الزراعية يتبنى منذ سنوات مشروعاً رائداً لتصنيع وتعليب الجراد. وتلاقى هذه المنتجات إقبالاً متزايداً من التايلانديين ومن شعوب أخرى مجاورة كاليابانيين. أما فى كوريا الجنوبية فإن طوائف الشعب كافة تقبل بنهم على وجبات لحم الجراد. وحين لاحظوا فى الثمانينيات أن المبيدات الحشرية كادت أن تقضى على جراد الأرز المحبوب .. قرر المزارعون التوقف عن استخدام المبيدات. فكان أن عاد الجراد يتكاثر من جديد، فزادت أرباح المزارعين من بيع الجراد، وعاد الناس يتذوقون طعم أطباقه ويطلبون المزيد. وحين نولى نظرة إلى عادات الشعب الهندي، نجد أن الكثيرين اعتادوا منذ وقت طويل على أكل الجراد بعد طهيه على وجوه متعددة. فقد تقلى أرجله وبقية جسده كلا على حده بعد رشها بالفلفل والملح أو تطحن وتخبز مثل الكيك أو تسلق فى المرق . وقد عرفت شعوب آسيوية فى الباكستان وأفغانستان وإيران أكل الجراد، وهو يباع لديهم فى محلات خاصة. وهم يحبونه مقلياً أو مطبوخاً بالحليب، أو مشوياً مملحاً بعد معالجته بالزبد. فإذا انتقلنا إلى الجزيرة العربية، وجدنا أعراب البادية درجوا على رصيد الجراد الصحراوى فى المواسم التى يزدهر فيها ويكثر. وهم يأكلونه محمصاً، أو مجففاً فى الشمس. ومنهم من يشويه شياً ويأكله وبعضهم يبقيه فى ماء مملح يغلى زمناً إلى أن يطيب وينضج، ثم يقشر ويؤكل لحمه الطرى، مثلما نفعل مع الكابوريا أو الجمبرى . والكويتيون عرفوا الجراد كطعام من قديم، واستطابوا طعمه وكانوا يأكلونه مقلياً ومشوياً ومغليا، وكان يجفف ويؤكل مع التمر ويسمى (سويقة). فإذا تحولنا إلى شعوب القارة الأفريقية، نجد الجراد يمثل مصدراً مهماً للبروتين، خاصة فى البلدان التى تقع ضمن نطاق حزام انتشار الجراد مثل الصومال وأثيوبيا واريتريا وتشاد. وقد اعتاد الموريون سكان أفريقيا غلى الجراد بكامله لمدة نصف ساعة، مضافاً إليه الملح والبهارات ثم يقلى بالزبد. وفى المغرب والجزائر يطبخ الجراد الكبير بعد إزالة الرأس والأجنحة والأرجل، ومن ثم يتبل الجسم بالبهارات والملح وشئ من البقدونس المفروم ويضاف الخل أثناء الطهو ثم يقلى بالزيت. أما فى السودان فقد صار للجراد سوق رائجة لاسيما بعد أن دخل بعض رجال الأعمال هذا المجال. وهو يقدم للآكلين بأشكال عدة فمنه ما يؤكل جافاً، أو بعد قليه فى الزيت، أو بعد سلقه فى الماء. ويعلق أحد رجال الأعمال السودانيين على الموقف الحالى بقوله : إن المواطنين اصطادوا الجراد إنقاذاً لمحاصيلهم. ولكن حين جربوا طهيه وأكله، استطابوا طعمه وزاد الطلب عليه من الكثيرين، حتى إننا لم نعد نلاحق طلبات الراغبين .
يتساءل البعض عن القيمة التغذوية للحم الجراد، وعن نتائج معمل التحليل يقول محللو الأغذية إن بالجراد يحتوى على قدر طيب من البروتين يفوق 22%. وإنهم ليؤكدون على أن وجبة متوسطة من الجراد تستطيع تزويد الإنسان بنحو 10% من جملة ما يحتاجه من البروتين طوال اليوم. ولأن البروتين يوضع دوماً فى الصف الأول لدى إعداد الطعام اليومى فقد عنى باحثو التغذية بتقويم جودة بروتين الجراد موازنة بغيره من صنوف البروتين. كشفت البحوث عن تفوق بروتين الحليب على كل من بروتين الجراد وبروتين اللحم. ولكن بروتين الجراد كان هو الأفضل موازنة ببروتين اللحم الأحمر. وثمة جانب آخر مهم، يعضد من مكانة بروتين الجراد فى دنيا التغذية، يتمثل فى محتوياته من الأحماض الأمينية الأساسية، وهى التى يتوجب أخذها فى الطعام حيث يعجز عن تخليقها جسم الإنسان. أظهرت التحليلات وفرة أحماض الليسين، والأرجينين، والهستيدين، والفالين، والثيرونين والفنيل آلانين، والتربتوفان، والليوسين والأيزوليوسين بتركيزات تناظر أو تفوق ما حددته مقررات منظمة الأغذية والزراعة الدولية.
وإذن يمكن القول بأن بوسع بروتين الجراد أن يغطى الاحتياجات اليومية لكافة الأحماض الأمينية الأساسية التى يحتاجها الإنسان، فيما عدا الحامض الكبريتى (ميثونين). أما دهنيات الجراد، فهى تبدو أقل من ناحية الكم، إذ تصل إلى حوالى 12% من مكونات اللحم. وهى من نوعية جيدة تمتاز بوفرة ما لديها من أحماض دهنية غير مشبعة مفيدة صحياً. ففى الدهنيات قدر حسن من المكون الأساسي لدهون أوميجا -9، المعروف بحامض الأولييك، وكذا المكون الأساسى لعائلة دهون أوميجا -3، المعروف بحامض ألفا لينولينيك ولأجل ذلك فإن لحم الجراد يعد من أكثر أنواع اللحوم توافقاً وحاجات بعض المرضى الغذائية. وفضلاً عن الدهون والبروتين، يوجد بلحم الجراد بعض المعادن المهمة مثل الحديد والزنك والبوتاسيوم والمغنسيوم والكالسيوم والفسفور، وكذا بعض الفيتامينات، مثل فيتامين (أ) وفيتامين (د) . ولا يفوتنا الإشارة بطعم الجراد الذى يقول عنه بعض الذواقة أنه يناظر طعم مح البيض، ويقول آخرون أنه يشبه طعم اللوز أو الجوز اللذيذ حين يقلى بالسمن .
مرحباً بأطباق الجنادب والصراصير :
تنتمى الجنادب والصراصير إلى رتبة من الحشرات هى " مستقيمة الأجنحة ". وهى نفس الرتبة التى تضم الجراد بأنواعه المختلفة. ولكن بينما يكون جسم الجنادب والصراصير مفلطحاً من أعلى إلى أسفل، يكون جسم الجراد مضغوطاً من الجانبين على أنهما يشتركان معاً فى وجود أنواع تصلح طعاماً للإنسان. فعلى نحو ما يؤكل الجراد فى بلدان عدة، فإن أنواعاً من الجنادب والصراصير تصلح تماماً للأكل .
إن صراصير الغيط أو صراصير الليل هى وجبة مفضلة لدى الشعوب فى أمريكا اللاتينية، لاسيما القبائل التى تعيش فى المناطق الحارة والدافئة فقد يعمد بعض هنود جزيرة جاميكا إلى جمع صراصير الغيط لتؤكل بعد تحميرها. ويستطيع أى جامع مجيد أن يتعرف على الصراصير المطلوبة من أصواتها، ويجمع منها فى ساعات عدة كيلو جرامات. أما العلماء فإن بوسعهم التعرف على ما يفوق الألفي نوع منها. وأنهم ليعرفون أنها ليست مغنيات بل عازفات على الكمان. ويبدو أن مهارة الصرصور فى الغرف هى التى لفتت إليه أنظار الكثيرين فأعجبوا بمهارته على أن الناس حين جربوا أكله بعد طهوه زاد لديهم الإعجاب .
ولا يقتصر الغرام بأطباق الصراصير على البلدان النامية، فإن سوق منتجات الصراصير بدأ ينتعش فى الكثير من الدول الغربية الغنية. ففى واشنطن العاصمة نجد رجل الأعمال " مارك نيفين " الذى يمتلك مطعماً فخماً، بدأ يقدم لزبائنه أطباقاً من صراصير الليل، يقوم باستجلابها من مزرعة لتربية الحشرات فى كاليفورنيا، ثم يعمد إلى طحنها وتحويلها إلى همبورجر وكيك الشكولاته . وفى نهاية القرن العشرين، أصبح فى محلات السوبر ماركت الغربية من الممكن شراء وجبة غذاء جاهزة تحتوى على صرصور الليل، أما الحلو فهو صنف من حلوى صرصور Cockroack ، الذى يسمى أيضاً (صرصور بنت وردان). يصف الآكلون طعم أحد أطباق الجداجد Cricket بقولهم : " إن طعم الجدجد الداجن كثيراً ما يذكرنا بطعم شريحة عجل مطلية بالقشدة ". وغير أطباق عازفى الكمان من جوقة صراصير الليل، فثمة أطباق أخرى يمكن إعدادها من مغنيات حشرية (صرارة) تعرف عالمياً بالجنادب Sauterelles ، مثل حشرة الجندب الأمريكى " كاتى ديد " Katydid ، فالواقع أن لهذه الحشرة صوتاً حاداً يعرفه الباحثون. فالذكر هنا يظل طوال الليل يثرثر عما فعلته " كاتى " ولكنه لا يفصح أبدأ عما فعلته حقيقة. على أن الباحثين عرفوا مؤخراً بعضاً من أسرارها : ذاك أن " كاتى " ورفاقها من الجنادب تعد من أقيم الموارد الغذائية البروتينية. فهي تنطوي على قدر من البروتين يتراوح من 50 إلى 70%.
عندما يتكلم الناس عن البق ، إنما يعنون بق الفراش فحسب، وهذا تعريف ضيق جداً. وعندما يتكلم عالم الحشرات عن البق، فهو يعنى بذلك رتبة الحشرات " نصفية الأجنحة " Hemiptera . تخبرنا صحائف التاريخ أن الرومان كانوا من محبى أكل بقة السيكادا Cicada، أو الزيز (سميت كذلك لأنها تصدر صوتاً صرصرياً وكأنها تقول " زيز ") . وما زالت بقة السيكادا تتمتع بنفس المكانة إلى يومنا هذا من قبل سكان القبائل فى المناطق الحارة والدافئة والهنود الحمر فى القارة الأمريكية وفى المكسيك خاصة ، كما يفضلها بعض سكان استراليا. وربما كان من دوافع الاغتذاء بالسيكادا، أنها من نفس مجموعة البق الماص لعصارات النبات.
وهى مجموعة تمتاز بأجزاء فم ثاقبة ماصة تثقب بها الخلايا النباتية لتمتص العصارة النباتية منها والسوائل التى يتكون منها غذاؤها. وفى هذه الحالة، لا تكون هناك حاجة إلى إنزيمات للتأثير فى الأغلفة السليولوزية فتدخل أجزاء فمها داخل الخلايا النباتية، وتفرز لعاباً يحتوى على إنزيم أميليز الذى يحول المواد النشوية (الموجودة داخل الخلايا النباتية) إلى مواد سكرية قابلة للهضم والامتصاص .
والواقع ، أن بقة السيكادا من هذه الناحية - قريبة الصلة بحشرات " المن " ولكنها تمتاز بالضخامة. إذ يتراوح طول أنواع السيكادا بين سنتيمتر واحد، وعشرة سنتيمترات . ولهذا تعتبر حشرات السيكادا ذات حجم كبير بالقياس إلى الحشرات التي تغتذى بعصارة النبات. ناهيك عن قيمتها الغذائية الرفيعة، حيث تحتوى على 30 إلى 70% من بروتينات حيوية جيدة. وفوق ذلك فهى تمتاز بطعم لذيذ لا ينسى.
وثمة نوع آخر من البق يحدثنا عنه عالم الحشرات " مايكل برورجيث " بجامعة ولاية " أوريغون " الأمريكية. فعنده أن " بقة الماء " العملاقة هى أفضل فاتح للشهية. وهذه البقة تعيش فى البرك، وتستطيع أن تطير بعيداً فى أثناء الليل حين تجذبها بعض الأنوار البعيدة، ولذلك تسمى أيضاً " خنفساء النور الكهربائى " لقد اعتادت بعض الشعوب على جمعها بمقادير كبيرة بالقرب من البرك، ومن أنوار الشوارع ليلاً. وهى تؤكل عادة بكاملها مشوية على النار، أما السكان فى تشيلى فهم يحبونها مقلية حيث تقدم على أوراق الموز مع الطماطم .
قليل منا من طالع مرجعاً متخصصاً فى طهو الفراشات وإعدادها على هيئة وجبات وهذا أمر طبيعى فكتب طهو الفراشات لم تظهر بالأسواق إلا متأخراً. ثمة كتاب منها، يحمل عنواناً طريفاً هو " فراشات فى معدتى" يقدم لربة البيت ألواناً من أطباقها الشهية المغذية. ومع ذلك فليس فى هذا الأمر ما هو غريب. فلقد قرأنا ونحن أطفال القصة العالمية " روبنسون كروزو " التى تحكى عن رحالة يجوب الغابات مهتدياً بأضواء مصباحه الكهربى. وطوال تجواله كانت الفراشات تتراقص من حوله وتحوم حول الأضواء المبهرة ولكنها حين كانت تقترب أكثر من حرارة المصباح، وتحترق، كانت حرارة الشواء تنتشر فى الأجواء وذات مرة بدا لصاحبنا أن يجرب طعم شواء الفراشات، ولدهشته وجده لذيذاً جداً . بعدها اعتاد طوال تجواله فى الغابات أن يجمع الكثير من الفراشات، ويعمد إلى قليها وإضافتها إلى وجباته اليومية . وأنت تسأل : أيمكن حقاً أن تؤكل الفراشات أو قريباتها من أبى دقيقات ؟ يتوجب أن نعرف أن أنواع الفراشات وأبى دقيقات تنتمى إلى رتبة من الحشرات، هى رتبة "حرشفية الأجنحة" Lepidotera . فكل من يلمس أجنحتها يلاحظ ذلك الغبار الناعم الذى يكون من القشور الدقيقة أو الحراشف التى تشكل فسيفساء ملونة تغطى الأجنحة الغشائية الشفافة . وهى أنواع كثيرة، تبلغ مائتى ألف نوع، وقد تزيد على أن من السهل التمييز بينها. فنحن نرى أبا دقيق أثناء النهار، أما الفراشات فتظهر وقت الغروب أو أثناء الليل. وكذلك عندما يستقر أبو دقيق فإنه يضم أجنحته فوق ظهره، وغالباً ما تتقابل أسطحها. ولكن الفراشات تستقر، وتترك أجنحتها مائلة على جسمها كجوانب الخيمة .أما عن تغذيتها، فإن أنواع الفراشات وأبى دقيقات لا تمتص سوى السوائل، وأغلبها يحب رحيق الأزهار الحلو السكرى. وهذا مما يجعلها تصلح للأكل إذ ينطوى رحيق الأزهار على قدر جيد من السكروز والجلوكوز والفركتوز. والحق أن أكثر شعوب الأرض، غراماً بأكل الفراشات وأبى دقيقات، هم مواطنو القارة الأسترالية الأصليون. إذ يشيع بينهم أكل الفراشات من نوع Agrotis infusa ، وعدة أنواع أخرى من أبى دقيقات. ولكن الطريف أن لديهم أنواعاً من الفطائر الشعبية رفيعة القيمة الغذائية لا تصنع إلا من أجسام أبى دقيقات بعد أن تجفف جيداً وتطحن فى صورة " دقيق أبى دقيق " .
ما الذى تعرفه عن دودة الموبان Mopan worm ؟ إنها يرقة " الفراشة الإمبراطورة "Emperor moth" ، أو كما يسميها الأفارقة يرقة " فراشة الموبان" Mopan moth " ، بحسبانها أكثر تواجداً على شجر الموبان دون سواه من شجر الغابات.
لقرون طويلة كانت شعوب جنوب أفريقيا وناميبيا، وزيمبابوى، وموزمبيق تجمع هذه اليرقات من فوق شجر الموبان، ثم يأكلونها كمصدر للبروتين ومن حسن الحظ فإن دود الموبان سهل التربية سريع الإنتاج. فأنثى فراشات الموبان تضع عادة مجموعة كبيرة من بيض دقيق على أوراق الشجر. فإذا أهل فصل الربيع ..أخذ البيض يفقس وتخرج منه يرقات صغيرة تأخذ فى التهام الكثير من أوراق النبات. تنمو اليرقات بسرعة مذهلة حقاً ، إذ يبلغ طول اليرقة حوالى عشرة سنتيمترات خلال بضعة أسابيع، وهى الآن بانتظار الجامعين. إن بوسع جامع مجد، أن يجمع على مدى ساعة واحدة حتى 20 كيلو جراماً من اليرقات (طوال شهور الفصل الرطب الذي يمتد من ديسمبر إلى مارس) .
لقد اعتاد الأفارقة من الريفيين أكل دود الموبان نيئاً أو مقلياً بالسمن أو مطهياً بالطماطم والبصل والسبانخ أو مجففاً بعد تركة أياماً معرضاً لأشعة الشمس. أما سكان المدن فقد تكفلت شركات صناعة الغذاء بتزويدهم بأنماط عدة وأشكال مختلفة من منتجات دود الموبان يتوافر بمحلات السوبر ماركت فى دول الجنوب الأفريقى، عبوات غذائية تنطوى على يرقات مجففة بحالة كاملة ومنتجات غيرها تقدم الموبان مطحوناً كالدقيق أو تعرضه معلباً ومخلوطاً بالصلصات وعصير الطماطم والتوابل والدهنيات. وثمة شركات غذائية عمدت فى السنوات الأخيرة إلى إعداد يرقات الموبان كوجبة سريعة Fast food ، رخيصة ومغذية. وقد لاقت رواجاً واسعاً بين السكان وغدت فى زمن وجيز هى الوجبة الشعبية الأولى فى هذه البلدان.
يقول بعض الذين تذوقوا دود الموبان إن طعمه لذيذ يذكر الآكل بمذاق لحم البقر المدخن. ويقول آخرون إن مذاقه يبدو مركباً من عدة مذاقات مختلفة: مذاق البندق والجوز، ومذاق لحم الدجاج أيضاً. أما الذواقة المدربون، فيقولون عن يرقات الموبان المجففة أنها تذوب وتتفتت بسهولة حين توضع بالفم وأنها تلتصق فى سقف الفم، مخلفة مذاقاً شهياً مفعماً نمذاقاً برائحة فواحة تشبه رائحة اللحم المعتق المدخن ورائحة توابل الشرق المعروفة.
ثمة باحثون يولون الفوائد التغذوية لديدان سوسة الشمع Galleria mellomella اهتماماً أكبر مما يولونه لأفعالها المؤذية. أما المشتغلون بالنحالة فلا يولون اهتمامهم سوى للقبيح من أفعالها إذ تبدأ متاعبهم حين تنشط إناث الفراشات ليلاً وتأخذ فى وضع الكثير من البيض على أقراص الشمع أو العسل أو اللقاح أو على شقوق الخلية أو على الإطارات بالخلية الافرنجية أو القماش الذى يوضع تحت غطائها. وما أن يفقس البيض بعد عشرة أيام حتى تخرج يرقات نهمة تدفعها رغبتها الدائمة في الاغتذاء إلى التجول فيما بين الأقراص (فى الخلية البلدية)، أو فيما بين الإطارات (فى الخلية الافرنجية) فما الذى تغتذى به ؟ إنها تغتذى بأقراص الشمع التى تستخدم لإنتاج العسل. فهى تصنع بالأقراص أنفاقاً تبطن بخيوط كثيفة حريرية من نسجها، مما يعوق حركة النحل بالخلية فيضطر لهجرها. ذلكم هو الوجه القبيح ليرقات دودة الشمع، أما الوجه الحسن فهو لا يكاد يبين إلا حين نقوم بجمع اليرقات وطهوها وتذوقها ، فنجدها مفعمة بأنواع لذيذة الطعم من البروتين. إن طعم هذه الدودة لابد أن يذكرنا بحادثة طريفة أوردها الباحث الأمريكى " نيجيل هاى " Nigel Hey ، فى كتابه المسمى " كيف نطعم البلايين الجائعة ؟ ""How Will We Feed The Hungry Billions ? .
والحادثة تجرى على أن الصحفى " ديف فيلتون " المحرر بجريدة التايمز التي تصدر فى لوس انجيلوس، دعى ذات مرة لتجربة طبق غذائى جديد وخاص جداً فى مؤتمر عقد فى ربيع 1969 ، فى بلدة أرفن بولاية كاليفونيا.. كان من بين العلماء المحاضرين فى المؤتمر أستاذ علم الحشرات بجامعة كاليفورنيا " د. رونالد تبلور " الذى أراد أن يقرن آراؤه النظرية عن الاغتذاء بالحشرات بتجربة علمية مثيرة. فقام من فوره يقلى ديدان سوسة الشمع فى وعاء يحتوى على زيت، ثم راح يوزع على جموع الحاضرين عينات من الدود المحمر وتقدم الصحفى الزائر ليتذوق بعضاً منها، ولدهشته وجدها على حد قوله " لذيذة الطعم جداً وتشبه فى طعمها اللحم المحمر" .
هل ثمة من يهوى مذاق الصبار؟ كلا ليس منا من يهواه على الرغم من أن الكثيرين منا لابد أنهم تذوقوا مرارته صغاراً حين قررت الأمهات فطام الأبناء. ومنذ ذلك اليوم والناس لا تحب طعم نبات الصبار. أما موقف بعض الشعوب من طعم دود الصبار فهو يا للعجب أبعد عن ذلك بكثير. إن أى شخص يستطيع أن يبتاع اليوم من السوبر ماركت الأمريكية وجبات محفوظة فى المعلبات، يطلق عليها اسم " جوزانوز "Gusanos ، قوامها " دود الصبار الأمريكى " اللذيذ. ويجد الزائر للمكسيك أسواقاً رائجة لديدان الصبار، وهى تباع طازجة أو مقلية، أو معلبة. ويقبل المواطنون فى هذه البلاد على منتجات دود الصبار. فهى عندهم من أطايب الطعام، التى لا يقدر على الظفر بها سوى البعض من ميسورى الحال .
وأنت تسأل .. أيمكن حقاً أن تكون فكرتهم هذه صحيحة ؟ والحق أن جميع الشكوك ينبغى أن تبدد إذ أن دودة الصبار تقتات على أوراق نبات الصبار العصيرية ذات اللزوجة العالية. وإننا لنعلم من نتائج تحليل النبات، أنه لا يحتوى ألبته على أية مواد سامة. وحتى فى مجال تغذية الإنسان ، فإن الصبار يقدم باعتباره ضمن الإضافات الغذائية الآمنة صحياً ، علاوة على أنه مصنف ضمن المواد التى تسبب أقل نسبة للإصابة بالحساسية.
ولكن ربما كان من الأوفق للإنسان الاغتذاء بلحم حيوان يشتهى أوراق الصبار. وهذا بالضبط ما تفعله يرقات الصبار الأمريكى. فقد أوتيت قدرة مدهشة على مضاعفة المحصول البروتينى الذى ينتجه فدان مزروع بالصبار. وبهذه المناسبة فالفدان من الصبار يعطى من الأوراق الناضجة فسيولوجياً خلال العام نحواً من 8-10 طناً تصلح طعاماً شهياً للديدان .
على أن من الأفكار المثيرة حقاً أن يصبح " محصول " الديدان جزءاً متكاملاً من الاقتصاديات المعقدة لبعض البلدان. لقد عبرت الباحثة المكسيكية " د. دجولييتا راموس " عن هذا الموقف أصدق تعبير حين ذكرت أن المزارعين الذين يرعون نبات الصبار، ويتوفرون على جمع يرقاته أصبح بإمكانهم ليس إطعام أنفسهم فحسب، ولكن أيضاً جنى مكاسب مادية كبيرة بتصدير اليرقات إلى دول كثيرة تطلبها لاسيما اليابان التى تبدى رغبة فى استيراد كل المحصول الذى يمكن جمعه . ولهذا فإن لك أن تتصور حجم الضائقة الاقتصادية التى ألمت بأرباب مزارع الصبار، حين نقص فجأة محصول الديدان. وكان لابد أن يطلبوا مشورة أهل الاختصاص وحين بحث العلماء الظاهرة وجدوا السبب. فالمزارعون أفرطوا فى استخدام المبيدات. وإذن كان عليهم اتخاذ قرار جرئ بالامتناع التام عن رش المبيدات والاقتصار على جمع ديدان الصبار بوسائل متعددة، مما أدى إلى عودة الرواج الاقتصادى من جديد. وثمة فريق بحثى آخر من خبراء جامعة المكسيك توصل إلى كشف واضح الفائدة.. إذ تمكنوا من أقلمة ديدان الصبار على الاغتذاء بنباتات أخرى لم تكن تأكلها فى حياتها البرية. وكانت النتيجة أن ازداد محصول الديدان بأكثر من عشر مرات .
يرقات الخنافس .. غذاء :
منذ سنوات قليلة جاءت من ولاية نيويورك الأمريكية، أنباء أثارت دهشة الكثيرين فقد أعلن باحثو التغذية أن الخنافس Beetles لا تصلح أن تكون طعاماً فحسب بل يمكن أيضاً أن تكون مصدراً مهماً لبروتين حيوانى شهى والواقع أن الخنافس تعد من أكثر الحشرات عدداً، إذ يوجد منها ما يزيد على الثلاثمائة ألف نوع. وهى جميعاً حشرات صلبة ذات أرجل قوية، ويغطى أجنحتها التى تطير بها زوج آخر من الأجنحة الجلدية لوقايتها، ولهذا فهى تنتمى إلى رتبة الحشرات " غمدية الأجنحة " Coleoptera . فحين درس الباحثون بعناية العديد من أنواع الخنافس بدا لهم أن " الطور اليرقى " الذى يغتذى بالنباتات يصلح تماماً أن يجمع ويؤكل ". وعندما رجعوا إلى العادات الغذائية لبعض الشعوب وجدوها تأكل الخنافس وتطلب منها المزيد. فالهنود فى الشرق والغرب درجوا لسنوات طويلة على جمع وطبخ يرقات الخنافس مع الخل ودقيق القمح، أما فى المكسيك فإنهم يفضلون وجبة تتألف من يرقات الخنافس المطهية مع البطاطس والكرفس والفلفل الأحمر . وفى ماليزيا تطهى ديدان الخنافس مع اللوز وأوراق البسلة. وتذكر صحائف التاريخ أن سكان يافا كانوا من محبي أكل الخنافس على وجوه كثيرة، كما تذكر أيضاً أن نساء الأتراك كن يقبلن على كل يرقات خنافس الدقيق Tribolium confusum، لتضيف عليهن تألقاً ونضارة. ومن هنا فلا غرابة أن نسمع بعض علماء التغذية يقولون بأن طبق يرقات الخنافس المشوية يفوق فى قيمته الغذائية طبق اللحم المشوى .
سوسة النخيل على المائدة :
أصدرت إحدى دور النشر الفرنسية منذ سنوات كتاباً لباحث فرنسي يحمل عنواناً مثيراً هو " الحشرات بروتينات المستقبل، يقول الباحث: " إن حشرة واحدة من يرقات بعض أنواع السوس يمكن أن تعطى ضعف كمية البروتينات الموجودة فى قطعة تناظرها وزناً من لحم البقر!" .
وحشرات السوس Weevils تتشابه مع الخنافس فى الانتماء إلى رتبة الحشرات
" غمدية الأجنحة ". أما أنواعها فهى كثيرة، ولكن أشهرها فى عالم تغذية الإنسان هى
يرقات سوسة النخيل. وهى يرقات صغيرة يصل طولها عند اكتمال النمو إلى 35-55 مم ،
وقطرها 18-22 مم. وهى عديمة الأرجل، تتغذى بشراهة داخل جذع النخلة مكونة خلال فترة
حياتها التى تتراوح بين 36-78 يوماً أنفاقاً عدة. على أن المهم هو أن هذه اليرقات
تلقى قبولاً حسناً لدى الآكلين فى بعض أصقاع الأرض. إذ يعمد محبوها إلى استخراجها
من جوف النخل، ثم تنظف من أحشائها، وتقلى فى الدهن ثم تؤكل، ولا يزال الهنود
الغربيون حتى يومنا يجمعون لكثير من يرقات سوسة النخيل، ويجهزون منها طعاماً لذيذا
مستطاباً، هو " جروجرو " Gru gru. وفى الكاميرون يصنعون وجبة شهيرة من يرقات سوسة
النخيل والبصل والملح والفلفل الأسود بعد طهيها ببطئ داخل ثمرة جوز الهند.
وليس أدل على إعجاب الناس الشديد، وإقبالهم على هذه اليرقات من أن سعر الكيلو جرام منها يزيد فى بعض نواحى الكونغو على خمسة أضعاف ثمن الكيلو جرام من لحم البقر.
دود الحرير طعام مفيد :
يبدو أن دود القز ليس فقط مصدر لأجود أنواع الحرير الطبيعى بل يمكن أن يؤكل أيضاً. فيرقات دود القز كما هو معروف تتغذى على الأوراق الخضراء لشجرة التوت. وهذه تتكون من خلايا مغلفة بطبقة من السليولوز الذى لا تؤثر فيه إنزيمات الهضم. وللوصول إلى المغذيات الخلوية الداخلية فإن الدودة تفرز إنزيم السليوليز Cellulase ، الذى يتكفل بتحليل الغلاف الخلوى. وإذن يتيسر للدودة الاغتذاء بأطيب ما فى الورقة من مغذيات. ولكن بعد حين تقرر الدودة إعلان الإضراب عن الطعام وتتحول إلى خادرة أو عروس أو عذراء تسكن فى الشرنقات صحيح أن الشرنقات ضرورية لإنتاج الحرير الطبيعى، ولكنها تصلح أيضاً لإعداد أشهى المأكولات. فقد درجت أفخم المطاعم الصينية على تقديم وجبة مميزة تصنع من شرنقات الحرير المقلية مع خليط من زيت الصويا والثوم والفلفل والزنجبيل.
ويقبل الصينيون بنهم على أكل العذارى التى بداخل الشرنقات ويلقون بالقشور. ويخبرنا حكماء الصين أن العذارى تعد من أغنى مصادر البروتين وأنها تفيد فى مداواة حالات ارتفاع ضغط الدم . وقد يلجأ بعض الصينيين إلى الاستفادة من العذارى ولكن بعد استخراج خيوط الحرير من الشرنقات. وعندئذ فهى تعصر جيداً لاستخلاص ما بها من دهون تصلح لصناعة الصابون ومستحضرات التجميل. ولكن العذارى تؤكل أيضاً بعد أن تقلى بالزبد وتخلط بصفار البيض وتتبل بالبهارات والخل. وهذه وجبة قيمة جداً.. هكذا يقول الآكلون.. ويضيف بعضهم : وهى منعشة ومقوية أيضاً !! .
لماذا لا نأكل يرقات النحل ؟
حين تذكر منتجات خلية النحل، ينبرى المتحدثون بتبيان القيمة التغذوية والصحية لكل من: عسل النحل، وشمع النحل، والغذاء الملكى، وسم النحل، وحبوب اللقاح، وصموغ النحل (البروبوليس) . المدهش حقاً أن أحداً لا يحدثك عن أهم منتج بروتينى بالخلية، وهو " يرقات النحل ". ماذا ؟ أهناك من يأكل يرقات النحل ؟ أجل ثمة أناس كثيرون عرفوا قيمتها فراحوا يجدون فى طلبها. والواقع أن مستعمرة النحل يمكن أن تنتج نحواً من خمسة أرطال من يرقات هلالية الشكل عديمة الأرجل. وهى تغتذى بأطيب طعام، فيرقات الملكات تغتذى بغذاء ملكى كثيف يقدم إليها بغزارة طيلة هذا الطور. فى حين تغذى الذكور ويرقات الشغالات بغذاء ملكى رهيف أثناء الأيام الثلاثة الأولى فقط. وفيما بعد، تغذى اليرقات بخبز النحل الذى يتألف من مصدر سكرى للطاقة وهو العسل، ومصدر بروتينى لنمو الأنسجة.. وهو حبوب اللقاح. لقد استطاع الباحث " رود يارد بولتن " الذى يعمل مديراً لمحطة بحوث البيئة فى سالسبورى بجنوب أفريقيا، أن يثبت أن النحل الأفريقي الكبير يمكن أن ينتج للفدان الواحد خمسة أضعاف البروتين الذى تنتجه حيوانات اللحم .
أما عالم الحشرات " مايكل بورجيث " بجامعة ولاية " أوريغون " الأمريكية فهو يأسف من ضياع معظم بروتين يرقات النحل دون الاستفادة منه، باستثناء القدر اليسير الذى تستخدمه بعض الشعوب. والحق أن يرقات النحل الأفريقي الكبير، استعملت على مدى سنوات طويلة كغذاء شهى فى بلدان أفريقية عدة . وفى الهند اعتادت بعض الطوائف على أكل يرقات وعذارى النحل. أما فى نيبال فإن ربات البيوت اعتدن عصر اليرقات بضغطها في قماش مسامي لينتج سائل كثيف يقلى بالسمن، سواء بسواء، كما يقلى البيض. وفى بعض المناطق الشمالية بالولايات المتحدة حيث لا يعيش النحل في ظروف الشتاء الخارجي، فتموت مستعمرات كاملة من النحل اهتدى السكان إلى طرق مبتكرة للإفادة من اليرقات. فثمة معلبات غذائية يقومون بإنتاجها، قوامها يرقات النحل المقلية، المحفوظة فى الصلصات. وهى تسوق على نطاق واسع فى داخل الولايات المتحدة، كما يصدر منها إلى دول مثل كندا واليابان. ويوضح الباحث الأمريكى " مايكل بورجيث " أن يرقات النحل يمكن أن تدخل فى صناعة نوع شهى من الكعك. ويؤكد عالم الحشرات " براين هوكنج " بجامعة ألبرتا بكندا، على أن يرقات النحل تحتوى على كميات وافرة من البروتين، ويشكو من أن أعداء الطبيعة تتلف كميات من النحل تساوى ضعف محصولها من العسل. ويرقات النحل ليست فقط مصدراً غنياً بالبروتين بل هى كذلك من أفضل مصادر فيتامينى (أ)، (د). ويكفى أن ما تنطوى عليه اليرقات من فيتامين (د) يعادل عشرة أضعاف ما يوجد فى زيت كبد الحوت. واليرقات - فوق ما ذكرنا - تمتاز بمذاق حلو وذائب، حين توضع فى الأفواه .
النمل ثروة مغذية :
قد يكون النحل بالفعل مصدراً مغذياً مدهشاً، ولكن النمل يعد ثروة مغذية أعظم فالواقع أن النمل يعمر فى الحياة زمناً أطول من النحل. ففى حين لا يزيد عمر شغالة النحل عن ستة أسابيع، تعمر شغالة النمل مدة سبعة أعوام. وفى حين لا يكاد عمر ملكة النحل يتجاوز أربعة أعوام أو خمسة، فإن ملكة النمل تعيش نحواً من ثمانية عشر عاماً. وفى حين يقتصر غذاء يرقات النحل على العسل وخبز النحل، فإن بوسع النمل الاغتذاء بأنواع كثيرة من الطعام، وفوق ذلك فأنواع النمل أكثر من أنواع النحل المعروفة. وهى تقدر بالآلاف، منها عدد غير قليل يستخدم كطعام فى بعض البلدان، لاسيما فى الهند والمكسيك وكولومبيا وفنزويلا والصين. ولنأخذ ما يجرى فى بعض نواحى كولومبيا بأمريكا الجنوبية مثالاً. إذ يبدأ فى أول مايو من كل عام، موسم جمع النمل فى المناطق الريفية. يستطيع جامع مجيد أن يملأ فى ساعات قليلة، عدة جرادل من ملكات النمل المتخمة التي يبلغ طول الواحدة منها بوصة كاملة. وبعد أن تصبح جاهزة تقلى فى الزيت، وتؤكل بالهناء والشفاء، وكما يقول الخبراء، فإن النمل المقلي طعام غنى بالبروتين ولذيذ الطعم إلى حد بعيد. وهو يؤكل عادة مع الخبز والجبن، وتعمل منه شطائر أيضاً. وهو يهضم جيداً فى الأبدان على نحو ما يهضم سمك السالمون .
أما ما يجرى فى بعض المناطق الصينية فهو الأعجب. فقد تمكن مؤخراً أحد مراكز بحوث وتكنولوجيا الأغذية بمدينة " نانجينج " فى شرق الصين من إنتاج العشرات من منتجات النمل الغذائية التي أقبل عليها الصغار والكبار، ويعد البروفيسور " ووتشيتشينج " هو رائد بحوث تكنولوجيا منتجات النمل الغذائية في الصين. وعنده، أن النمل يعد أعظم ثروة مغذية ومصغرة، ولقد أبانت دراساته التحليلية أن بالنمل نحواً من 42% من بروتين جيد ينطوي على 19 نوعاً من الأحماض الأمينية. ولأجل ذلك فهو لا يمل الحديث عن الإمكانات لصحية الهائلة لمنتجات النمل الغذائية. إن لدية قناعة بأن هذه المنتجات تفيد بصورة مدهشة في إسراع نمو الأطفال، كما تبطئ زحف الشيخوخة لدى لكبار، وتحسن من الصحة العامة لأي إنسان.
وجبة نمل بطعم الزبيب :
أول من أود معرفته هو : هل يوجد بالفعل نمل حقيقى بطعم الزبيب ؟ نعم هناك نوع من الزبيب الحلو، يباع فى أسواق المكسيك، ويقبل الناس على التهامه بتلذذ شديد على أنه في الواقع لا يمت بأية صلة إلى الأعناب بل هو صنف من شغالات النمل عجيب. ففى عالم النمل يوجد ما يزيد على عشرين صنفاً مختلفاً من الشغالات، أما أغربها فهو الصنف الذى تعمل فيه الشغالات كقدور حية لخزن العسل. وتلكم هى الشغالات المكتظة أو المشحونة أو المتخمة حاملات القدور والواقع أن المستعمرة ها هنا تضم بالإضافة إلى الشغالات حاملات القدور شغالات أخرى تخصصت فى جمع العسل. وهذه هي التي تبعث إلى الخارج لتجمع ما تيسر لها من المواد السكرية الحلوة التي تفرزها حشرات المن (الندوة العسلية). ومما يستطاب ذكره أن النمل معروف بولعه الشديد بكل ما ينتجه المن من مؤخرة قناته الهضمية، من إفرازات عسلية حلوة تتألف من سكر القصب والفواكه والعنب وبعض النشويات. وهى الإفرازات التي تظهر متلألئة في صورة طبقة شديدة اللمعان على قلف الشجر، وعلى الأوراق التى يحط عليها المن من وقت لآخر. ولكن النمل لا يكتفي بجمع الإفرازات العسلية من فوق أفرع وأوراق الشجر، بل يقوم أيضاً برعاية حشرات المن والسهر عليها، حتى يتمكن من حلبها واستخراج أعظم قدر من أعسالها. إذ يكفى أن تربت النملة الشغالة على ظهر الحشرة حتى تخرج إفرازات المن العسلية الحلوة. لقد حسب العلماء مقدار ما تجمعه شغالات أحد العشوش فى العام، فبلغ نحواً من مائة كيلو جرام من أشهى الإفرازات.
ولكن الشغالات الجامعة لا تحتفظ بما جمعته لنفسها، بل هى تختزنه مؤقتاً داخل حويصلات فى بطونها. وما أن تبلغ العش حتى تبدأ ترجع العسل من أفواهها، وتدخله فى أفواه النملات المكتظة حاملات القدور. وعلى هذه النملات أن تبتلع كل ما يلقى فى جوفها من العسل. وهى لا تأكله بل هى تختزنه فيما يوجد ببطونها من حويصلات حتى تمتلئ عن آخرها وتصير البطون منتفخة كالكرات وثقيلة جداً. وعندئذ فإن النملات تعجز عن الحركة فيكتفين بالتعلق فى سقوف حجرات العشوش. وعلى هذا النحو يستطيع المشتغلون بتجارة زبيب النمل أن يجمعوا كميات كبيرة من تلكم المكتظات حاملات قدور العسل، وهى التي تعرض بالأسواق كغذاء وزبيب شهى وحلواء .
طعام أسمه " الترميت " :
فى مناطق العالم الحارة والدافئة فى أفريقيا وآسيا وأمريكا واستراليا وبعض الجزر لا يرى المواطنون عضاضة في أن يغتذوا بالترميت Termites والترميت هو " الأرضة " أو " النمل الأبيض "، وهكذا يسمونه وما هو بنمل، ولا يكاد يمت بصلة إلى النمل الأسود العادي أو الأحمر، الذى نراه بكثرة. فالنمل الأبيض ينتمي إلى رتبة أخرى من رتب الحشرات هى رتبة " متماثلة الأجنحة " Isoptera . فى حين ينتمي النمل العادي إلى رتبة أكثر قرباً إلى رتبة الصراصير هي " غشائية الأجنحة " Hymenoptera .
والعجيب أيضاً أن النمل الأبيض ليس أبيض اللون على الإطلاق بل هو من الحشرات رخوة الجسم باهتة اللون، وإن كانت تشبه قليلاً النمل وتعيش مثله فى مجتمعات من صنعها. على أن أكثر ما يثير إعجاب العلماء، هو أن تقتصر حشرة النمل الأبيض فى غذائها على مادة الخشب، وهى من السليولوز. وإن ذلك ليذكرنا بعلماء السويد، الذين حاولوا – خلال الحرب العالمية الثانية – تعويض النقص فى اللحوم الحمراء، بابتكار طعام من الخشب. وبالفعل قدموا للناس كفتة قليلة القيمة، ولا طعم لها، مصنوعة من الخشب. لم ينجح العلماء كما يجب. ولكن حشرة الترميت نجحت – ومنذ آلاف السنين – فيما فشل فيه علماء السويد المعاصرون. يكمن السر فيما تنطوي عليه قناتها الهضمية من كائنات ميكروسكوبية Micro – organisms ، كالبروتوزوا Protozoa ، وأنواع خاصة من البكتريا تمكنها من هضم المواد السليولوزية، والإفادة من الخشب، وهذه الكائنات توجد غالباً في القناة الخلفية، حيث يهضم الجزء الأكبر من الخشب. وبذلك تجد النمل الأبيض يتلذذ بأكلة شهية من خشب البلوط أو الصنبور أو حتى الماهوجني . ولكن المدهش أن الترميت لا يبخل كذلك على آكليه من البشر، بالتلذذ والاستمتاع بوجبة شهية مفيدة وصحية. ففي بلدان عدة من عالمنا، اعتاد الناس علي رؤية النمل الأبيض في مواسم معينة علي هيئة أسراب كثيفة، تنجذب نحو الضوء. إن طول الحشرة منها يقع ما بين سنتيمتر وسنتيمترين. وفي بعض الأنواع الاستوائية تتضخم الملكات كثيراً، حتي يصل طولها إلي ثلاث بوصات أو تزيد. وهي تظل طائرة في سربها فترة من الزمن ، حتى تنفصل عنها أجنحتها فتقع علي الأرض. وها هنا يسرع الناس بجمعها ويقلونها في الزيت ويأكلونها بشهية زائدة ولكن النمل الأبيض ليس لذيذاً فحسب، بل هو مغذ وصحي أيضاً، إذ يحتوى علي 46% من البروتينات، ونحو 45% من الدهنيات، وكمية وافرة من فيتامين (ب2) أيضاً .
سيكلوجية المائدة الحشرية :
ينتاب الإنسان شعور بالضيق والاشمئزاز لمجرد أن تقترب منه إحدى الحشرات. فماذا إذن، لو وجدنا علي موائدنا طبقاً من " الاسباجيتي الماليزية " ، وهي ديدان مطهية مع اللوز وأوراق البسلة ؟ وماذا لو كان الطبق مكسيكياً يتألف من يرقات الخنافس المطهية مع الفلفل الأحمر والبطاطس والكرفس ؟ وماذا لو كان الطبق يابانياً من الدبابير المقلية ؟ وماذا لو كان الحلو، هو صرصور بنت وردان أو شيكولاتة الجراد ؟ وماذا .. وماذا .. مما لابد أن تتلوى لمجرد ذكره المعدات، وتقلب لأجله الشفاه قرفاً وامتعاضاً زائدين .
وتلكم هي أعصي المشكلات التي تجابه خبراء التغذية حين يبشرون الناس بمثل هذا المصدر الجديد للطعام . إنها مشكلة " سطوة العادة " أو " قوة العادة " Force of habit . فالإنسان أسير لعاداته إلي حد كبير. ولهذا فإن التعود علي نمط من الطعام قد يصرف المرء عن سواه من أطعمة، ربما تكون أفيد وأقيم . وبإيجاز فإن الناس لا يغيرون عاداتهم الغذائية بسهولة. ولقد حظيت هذه المشكلة النفسية باهتمام كبير من قبل العلماء، فاقترحوا حزمة من الإجراءات، نتخير منها ما يوافق دعوتنا حول الاغتذاء بالطعام الحشري .
الحشرات وفجوة الغذاء :
إن أول ما يتوجب عمله، هو توعية الناس بالدور الحيوي الذي يمكن أن تلعبه الأطعمة الحشرية، لحل مشكلة نقص الغذاء، وبخاصة في البلدان النامية. فالحق أن الصورة الماثلة أمام علماء التغذية في هذه البلدان تدعو إلى التشاؤم. إذ أن الإحصائيات الصحية تشير إلي أن ستة وعشرين بلداً في أفريقيا تعاني بالفعل من نقص حاد في الغذاء، ومن الممكن أن تصبح خمسة وثلاثين، أى أكثر من نصف بلدان أفريقيا. كما تؤكد مصادر الأمم المتحدة أن ما يزيد علي مائة ألف إنسان يتساقطون كل يوم من الجوع، كما يودع الحياة ما بين ثمانين ألفاً ومائة ألف، صرعي بأمراض سوء التغذية. ولسوف يقضي بليون آخر من البشر حياتهم، يتهددهم الضعف الجسماني والتأخر العقلي الناتج عن الجوع المزمن .
وتشير الإحصائيات إلي ارتفاع نسبة الوفيات بين الأطفال أقل من 6 سنوات، بمعدل يزيد عن عشرة إلي أربعين مرة عن مثيلتها في البلدان المتقدمة. وتوصلت التقديرات إلي أن نصف عدد الأطفال الأحياء اليوم لن يعيشوا إلى سن البلوغ، كما وجد أن 22 مليون طفل من أصل 122 مليون طفل في العالم الثالث يعانون من نقص ملموس في أوزانهم عند الولادة .
وذكرت منظمة "اليونسيف" أنه في كل صباح يموت في البلدان النامية أكثر من 40 ألف طفل، لم يحتفل بعد أى منهم بعيد ميلاده الأول. والأطفال – كما لا يخفي – هم أكثر الفئات حساسية وتأثراً بالنقص الغذائي بعامة، وبالنقص البروتيني على وجه الخصوص. إذ يترتب علي عدم تناولهم كفايتهم من البروتين تلف في خلايا المخ، وهي مأساة إذا حلت يصعب أو يستحيل إصلاحها، مما يعني الحكم علي هؤلاء الأبرياء بقضاء البقية الباقية من أعمارهم أسرى للتخلف العقلي، أو تجعلهم يقضون حياتهم فى شبه غيبوبة أو أنصاف نائمين بحيث يعجزون عن التفكير السليم أو العمل المنتج، وتعتبر الحياة بالنسبة لهم مجرد فترة انتظار للموت .
وفي البلدان النامية فإن المصادر التقليدية للبروتينات الحيوانية تبدو نادرة، وتزداد ندرتها بازدياد معدلات الولادة وما يتبعها من زيادة الأفواه التي تطلب الطعام. وعلي هذا النحو فقد زادت قناعة علماء التغذية بحتمية البحث عن مصادر غذائية جديدة وإيلاء اهتمام أكبر بأنواع الموارد الطبيعية التي تتخذ من قبل البعض كغذاء، ولا يعرفها البعض الآخر. والواقع أن الحشرات تحتل موقعاً متقدماً في قائمة الموارد الطبيعية التي لا تعرفها شعوب كثيرة كغذاء، لكنها لدى شعوب أخرى طعام رفيع القيمة ومستطاب .
أنهم آكلو الحشرات :
أيدهشك أن تعلم أن فى أيامنا هذه يستهلك بانتظام ما يربو علي خمسمائة نوع من الحشرات كغذاء، في شتى بقاع الأرض. ففي القارة الأفريقية يعيش الملايين من السكان في الكاميرون وأوغندا وزائير والجزائر وزيمبابوى وأفريقيا الجنوبية وغيرها علي أكل الحشرات. وتذكر بعض الإحصائيات أن الحشرات تمثل نحو 65% من البروتين الحيواني الذي يتناوله السكان في العديد من مناطق الجنوب الأفريقي. وكذلك فإن سكان القارة الأسترالية الأصليين، ما زالوا يعتمدون علي بعض الحشرات، كمصدر مهم للبروتين. وثمة شعوب كثيرة في آسيا لاسيما في الهند واليابان والصين وإندونيسيا وجنوب شرق آسيا وغيرها فهى تعتبر الحشرات طعام صحي. أما عن شعوب أمريكا اللاتينية فحدث ولا حرج، فالحشرات طعام شائع فى كولومبيا وفنزويلا والبرازيل والمكسيك. ويقدر الباحثون أن المكسيك – علي وجه الخصوص – تعد من أكبر البلدان التي تستهلك الحشرات كطعام للإنسان .. فمن بين الخمسمائة نوع من الحشرات التي تؤكل في عالمنا يستهلك في المكسيك ثلاثمائة نوع منها علي أقل تقدير .
وهكذا لم يكن غريباً أن نجد باحثي التغذية يعنون أشد العناية بأنواع الحشرات الغذائية المتوافرة في البلدان النامية، بحسبانها أحد الموارد الطبيعية المهمة لسد فجوة الغذاء، بل إن من الباحثين من يرى أن دور الحشرات في الغذاء أكبر من هذا بكثير. فالباحثة الأمريكية " جين دى فوليارت " بجامعة ويسكونسن، تعتقد أن الحشرات في طريقها إلي احتلال مكانها كطعام مقبول، ليس فقط في البلدان النامية، ولكن أيضاً في العالم الغربي . ففي الولايات المتحدة يرصد الباحثون تزايداً كبيراً في عدد المشروعات الاستثمارية الكبرى التى تستهدف إدخال الحشرات في قائمة الغذاء الذى يتناوله الشعب الأمريكي. كذلك تحقق تقدم آخر في هذا المجال علي أيدى رجال أعمال كنديين. فثمة مزارع كبيرة لتربية الحشرات أقيمت في كافة الأنحاء في السنوات الأخيرة، لإمداد مصانع الأغذية بمئات الأطنان من الحشرات، التي توافق صناعة الهامبورجر ومعلبات الحشرات المحفوظة وأنواع السجق وسوى ذلك من منتجات .
مورد بروتينى لا ينضب :
نعود فنقول إن الدافع الأكبر علي اهتمام علماء التغذية بالحشرات كمورد غذائي يضاف إلي أغذية الإنسان، هو تزايد الأفواه التي تحتاج إلي الطعام ولكن جدالاً واسعاً لا يزال محتدماً بين العلماء حول جدوى هذه الاتجاه.
ثمة سؤال يفرض نفسه بإلحاح: ترى إلي أى حد يمكن الاعتماد علي الحشرات كغذاء؟ إن العالم الفرنسي الشهير " برونو كومبى " Bruno comby ، الذي يعد الأب الروحي للتغذية علي الحشرات في العالم الغربي، يؤكد في كتابه " الحشرات اللذيذة " أن الحشرات سوف تصبح مصدراً رئيسياً في كثير من دول العالم في القرن الحادي والعشرين. أما الباحث البريطاني " هولت "، فيقول في كتابه المسمي " لماذا لا نأكل الحشرات ؟ " : " أن الحشرات غذاء ينطوى علي إمكانات هائلة وهو غير مكلف بصورة توجب ألا نغض الطرف عنه في إطعام الإنسان " . ويضيف باحث فرنسي في كتاب له تحت عنوان " الحشرات بروتينات المستقبل "، أن الحشرات التي تقزز الكثيرين، تعتبر مصدراً لا ينضب من البروتين. إن بوسعها أن تقضى علي سوء التغذية بالعالم إلي حد بعيد ". وتدعو الباحثة المكسيكية " جوليانا كونكونى " المزارعين في كافة الأنحاء إلي توجيه اهتمام أكبر لتربية الحشرات كمصدر للغذاء. وعندها أن بوسع الحشرات توفير مورد غذائى عظيم، يمكن أن يساهم في حل مشكلة نقص الغذاء. ويعتقد " جون لبين " مدير منظمة الأغذية والزراعة الدولية أنه لو تم تنظيم وسائل لنشر وتوسيع دائرة الاعتماد علي المصادر الحشرية في الغذاء، لأمكن القضاء علي مشكلات التغذية في مناطق كثيرة من عالمنا .
ويقول الباحث البريطاني " ديك فاني " بمعهد التاريخ الطبيعي بلندن : " ليس ثمة ما يمنع من التوسع في أكل الحشرات لاسيما وهي تعد من أغني مصادر البروتينات. ففي حين تحتوى أسماك القد علي 28.5% من البروتين، فإن بالديدان نحو 28.2% من البروتين، كما يوجد بالنمل الأبيض نحو 46% من البروتين. وقد أظهرت دراسات تحليلية أن بعض الحشرات المكسيكية والأفريقية، تحتوى علي قدر أكبر من البروتين يتراوح بين 60، 70%. كما تبين أن البروتين الحشري يماثل نظيره في الأغنام والدواجن والأبقار. ومن ثم فإن أغلب أنواع الأطعمة والوجبات التي تعد أساساً من اللحم أو الدواجن أو الأسماك يمكن أن تستبدل بها لحوم الحشرات. وغير بروتينات الحشرات فقد أظهرت التحليلات أن دهنياتها هي من نوعية صحية جيدة، تشبه دهنيات أسماك السالمون والماكريل. ذاك أنها تنطوى علي قدر متدن للغاية من الكوليسترول، كما تمتاز برفعة محتواها من الأحماض الدهنية الصحية من نوع (أو ميجا –3) . وهذا بالطبع غير صنوف الأملاح المعدنية المهمة مثل الحديد والزنك والكالسيوم والفوسفور والبوتاسيوم، وكذا صنوف الفيتامينات، لاسيما فيتامينى (أ)، (د). وفي ضوء كل هذه الحقائق نستطيع أن ندرك حقاً مدى إمكانية مساهمة الاغتذاء بالحشرات في الحد من مشكلات العوز الغذائي التي تضرب أطنابها في كافة البلدان .
لا تتعجب .. نحن نأكل الحشرات :
ربما لا يكفي أن نتحدث عن فضائل مغذيات الحشرات حتي يقبل الناس علي أكلها لقد عارض بعضهم هذه الدعوة قائلاً: " نعم إن الحشرات قد تكون غنية حقاً بشتى أنواع المغذيات من بروتينات ودهنيات ومعادن وفيتامينات، ولكني لا أستطيع أن أتخيلها في فمي". والحق، أن الحشرات التي يدعو العلماء إلي أكلها، إنما هي الحشرات النظيفة، آكلة الحشائش والأعشاب والنباتات الخضراء الطرية الطازجة، وليست أبداً الحشرات التي تعيش علي دم الإنسان والحيوان، أو علي الروث والنفايات. وكما يعرف أهل الاختصاص، فإن الحشرات التي تغتذى بالنباتات تعد أنظف بكثير من معظم الحيوانات التي يشتهيها الإنسان العصري المتحضر مثل الضفادع التي تعد من أشهي الوجبات عند بعض الأوروبيين، أو حتي بعض الحيوانات البحرية مثل أبو جلمبو والسيبيا أو السرطانات البحرية أو المحاريات التى تتغذى علي لحوم الحيوانات. أما المفاجأة الأكبر، فهي أننا جميعاً – بدون أن نشعر– نأكل الحشرات طوال الوقت، دون أن يصيبنا ضرر أو مكرره .
وهذا صحيح، فإن كلاً منا قد أكل يوماً الحشرات أو حتي أكل صغارها من تلك الموجودة في الحبوب المخزونة، مثل اللوبيا والأرز والعدس والفول، وكذلك حشرات الخنافس أو السوس. وإننا لنعلم أن بعض الحشرات الصغيرة تختلط بالمحاصيل وبالخضر ويستحيل فصلها. ولأنها لا تسبب أى ضرر للإنسان ، فإن مفتشي الزراعة وخبراء التغذية يسمحون بوجودها ولا يتأففون .
ويؤكد " مايكل بورجيث " الباحث بجامعة ولاية " أوريجون " الأمريكية، أن المواطن الأمريكى يتناول بالفعل ما بين نصف كيلو جرام، وكيلو جرام من الحشرات كل عام.. وأن معظم الأمريكيين لا يعلمون بهذه الحقيقة، لأنهم لا يشاهدون هذه الحشرات حيث تعد في شكل مسحوق يضاف إلي مربي الفراولة وصلصة الاسباجيتى وزبدة الفول السودانى ونحوها، وهكذا ففى الكثير من المنتجات الغذائية المصنعة توجد كمية مسموح بها من أجزاء الحشرات. ويرى الباحث الأمريكي أنه إذا لم يقتنع بعض الناس بتناول الحشرات المطبوخة، وهى الشهية والمغذية، فإن بوسعهم علي الأقل تقبل وجود المزيد من الحشرات فيما يأكلون من وجبات يومية.
وعلي هذا النحو، يمكن تأهيل الناس نفسياً لقبول الحشرات في طعامهم، لاسيما إذا استخدمت – كمرحلة أولي – في صورة إضافات غذائية لأطعمة مألوفة، وليس في صورة حشرات كاملة. فمن الميسور إضافة مسحوق الحشرات المجففة إلى أنواع العجائن الغذائية والمخبوزات، بغية الارتقاء بقيمتها الغذائية. وكذلك يمكن إضافة الحشرات إلى اللحم المفروم والكفتة والسجق والكباب والبورجر واللانشون والصلصات والأطعمة المطهية بالفرن ونحوها.وهذه الإضافات الناجحة ليست - بالطبع - سوى البداية في سبيل إقناع الناس بمدى الإمكانات المبهرة للبروتين الحشري في تغذية الإنسان.
الإفادة لا الإبادة :
فى السنوات الأخيرة أصبحت الحشرات .. تلكم المخلوقات التي لا يزال الناس منها في حالة قرف واشمئزاز " شاغلة فكر وحياة العلماء " ، بفضل الأبحاث التي تجرى عليها باستمرار تظهر ما لديها من إمكانات للإفادة منها كمورد غذائي لا ينضب . والحق، أنها تستحق بجدارة أن توضع في قائمة " أغذية المستقبل "، وتستحق هذا الاهتمام بعد أن ظلمت طويلاً ، بالنفور منها، وإيذائها بأسوأ أنواع المبيدات . إن الحشرات – كما رأينا – هي مورد غذائي عظيم منحه الله للإنسان، الذي بدأ يدرك – ربما متأخراً – أن إعادة التوازن لبيئته بالإفادة من إمكانات الأحياء، دون إيذائها، هي السبيل الأقوم لعمارة هذه الأرض، والطريق إلي إسعاد الإنسان .