ليكوبين الغذاء .. شفاء

الدكتور/ فوزى عبد القادر الفيشاوى

قسم علوم تكنولوجيا الأغذية - كلية الزراعة - جامعة أسيوط

 

 

المقدمة

أتعرف الليكوبين ؟

الصبغ مضاد الشيخوخة

ضد عصابة الأورام

صحة البروستاتا

سلامة القلوب

الخصوبة والمناعة والعيون

التوفر الحيوى

الغذاء أم الأقراص ؟

 

 

المقدمة :

اللون الأحمر القاني لثمار الطماطم ، ولون البطيخ الأحمر المحبب إلى النفوس ، ليس فقط واجهة لشد الأنظار وحمل لعاب الآكلين على السيلان . إن له وظيفة صحية أيضاً هى مكافحة الأمراض . فهذا اللون يعود إلى وجود الليكوبين النباتي وهو من مضادات الأكسدة التي تمنع تراكم الشوارد الحرة الغادرة داخل الشرايين والأوعية ، كما تقمع نزعات التمرد فى الخلايا والأنسجة .

 

الحياة صحة قبل كل  شئ. وهذا هو المجال الذى تسهم فيه البحوث التغذوية على نحو يتزايد بإطراد فى هذه القيمة البشرية التى هى أثمن القيم جميعاً . وقد تلقى الطب من علوم التغذية بالفعل منحاً سخية أمامه آفاقاً جديدة للوقاية من العلل والأمراض . فقد اكتشف باحثو التغذية مؤخراً أسراراً جديدة عن الأغذية النباتية وعلاقتها بصحة الإنسان . إنهم عثروا فيها على الآلاف من مواد كيميائية طبيعية ذات تأثير صحى مفيد . وهى ليست من المغذيات كالبروتينات والدهون والكربوهيدرات والمعادن والفيتامينات ، بل هى مواد تعرف " بالكيميائيات النباتية " أو كيميائيات الفايتو " Phytochemicals  . على أن المدهش هو أن العديد من هذه الكيميائيات ليست فى واقع الأمر سوى مرادفات لذات الأصباغ الطبيعية التى تتلون بها النباتات . أى أن القيمة الصحية والوظيفية التلوينية فى النبات هما فى الحقيقة شئ واحد وفقاً لهذا المقياس ، فإن الليكوبين النباتي (Phyto Lycopene) ، هو صبغ شاف وصحى فضلاً عن كونه يسعد العيون قبل أن تلذ به الأفواه .

 

أتعرف الليكوبين ؟

فى أعماق خلايا النبات ينطوى سر البلاستيدات ، التى تبدو سابحة فى السيتوبلازم كأجسام بروتينة دقيقة عدسية الشكل ، كما يعزى إلى أصباغها لون أجزاء النبات . إن اللون الأخضر لثمار الطماطم غير الناضجة ، إنما يعود إلى غلبة أصباغ اليخضور (الكلوروفيل) وقلة الأصباغ الكاروتينية فى البلاستيدات . فى حين يعود لون الثمار أثناء تطور عملية النضج ، إلى غلبة الأصباغ الكاروتينية ، الصفراء منها والبرتقالية والحمراء . وعلى هذا النحو فإن الصبغ الذى يضفى رواء الحمرة على ثمار الطماطم تامة النضج ، إنما هو أحد أنواع الكاروتينويدات غير الحلقية Acyclic carotenoids ، الذى يعرف بالليكوبين وهو الذى يستمد أسمه من الأسم العلمى للطماطم  " Lycopersicum esculentum " ، بحسبان ثمارها هى المصدر الأهم له والأساسى .

 

أما على جبهة التشييد الحيوى للصبغ ، فإنه يجرى بصفة عامة كجزء أساسى فى تركيب البلاستيدات الخضراء ، كما أنه يحدث أيضاً متزاملاً مع تطور البلاستيدات الملونة ، على الأخص أثناء مراحل نضج الثمار . فالواقع أن تركيز صبغ الليكوبين الأحمر يتضاعف مراراً بتقدم عملية النضج فى الوقت الذى يزيد فيه تكسر الكلوروفيلات الخضراء . وذلكم هو الذى يفسر نتائج التحليلات الكيميائية التى تظهر أن تركيز الليكوبين فى  ثمار الطماطم الخضراء لا يكاد يتعدى 0.11 ملليجرام لكل مائة جرام . فى حين يبلغ التركيز فى الثمار نصف الناضجة 0.84 ملليجرام لكل مائة جرام وفى الثمار تامة النضج يصل التركيز إلى
7,85 ملليجرام لكل مائة جرام . وعلى أية حال فإن مالا يقل عن 90% من محتوى الكاروتينويدات فى الطماطم الناضجة الحمراء لابد أن يوجد فى صورة ليكوبين . وليست ثمار الطماطم التى عكف الباحثون على دراسة أصباغها طوال سنوات عدة بالطبع هى وحدها التى تحتكر إنتاج صبغ الليكوبين . فمن حسن الحظ أن العديد من أنواع الفواكه والخضروات تشترك معها فى إنتاجيته ولنذكر على سبيل المثال : البطيخ الأحمر ، والشمام
والجوافة وردية اللون ، والمشمش والجريب فروت (الليمون الهندى) الأحمر الوردى وبعض أصناف الخوخ ونحو ذلك . 

تركيب صبغ الليكوبين

فى بعض ثمار الفواكه والخضروات وبعض منتجاتها

 

الغـــــــذاء

وحدة التقدير

التكيز بالميلليجرام

طماطم خضراء طازجة

100 جرام

0.11

طماطم نصف ناضجة طازجة

100 جرام

0.84

طماطم ناضجة طازجة

100 جرام

7.85

طماطم ناضجة طازجة

ثمرة متوسطة الحجم

5

صلصة طماطم

ملعقة كبيرة

3

كاتشب الطماطم

ملعقة كبيرة

3

عجينة طماطم معلبة

ملعقة كبيرة

6

شوربة طماطم سميكة

كوب

10

عصير طماطم معلب

كوب

20

صلصة المكرونة الأسباجتى

كوب

44

جريب فروت وردى اللون

ثمرة متوسطة الحجم

4

جوافة وردية اللون

ثمرة متوسطة الحجم

4

عصير جوافة وردى اللون

كوب

8

بطيخ أحمر اللون

شريحة متوسطة

12

 

الصبغ مضاد الشيخوخة : 

ظل الناس زمناً طويلاً لا يعرفون عن وظيفة الليكوبين سوى القيام بتلوين بعض أنواع الثمار على نحو يشد الأنظار ويحمل لعاب الآكلين على السيلان على أن باحثى التغذية أضافوا فى السنوات الأخيرة وظيفة أخرى غير متوقعة إذ تبين لهم أن هذا الصبغ من أقوى مضادات التأكسد Amtioxidants  ، (ومضادات الشيخوخة) التى أختبرت حتى الآن . وهذه هى المواد التى تقف بحزم ضد جحافل الشوارد الحرة Free radicals ، والتى هى عبارة عن الجزيئات أو الذرات التى فقدت أحد الكتروناتها فصارت من ذوات العدد الفردى من الالكترونات ، مما يجعلها غير ثابتى كيميائياً وقابلة للإتحاد بمركبات أخرى متعددة . فهى لا تتوانى أثناء بحثها المجنون عن الاليكترون المفقود عن أن تدمر فى طريقها الخلايا السليمة لتنتج حزمة أخرى من الشوادر الحرة فى تفاعلات انقسامية ثنائية والتى تصبح بدورها تفاعلات متسلسلة ، لا تكاد تتوقف عن التدمير والتخريب . وهذا هو ما يعضد دورها فى ظهور أعراض الشيخوخة فى الأبدان . فالواقع أن تغضن الجلد ليس إلا تعبيراً عن حدوث تكسير فى بنية كولاجين بفعل هذه الشوارد . كما أن ابيضاض الشعر ليس إلا إعلاناً عن عدوانها الأثيم على بصيلات الشعر ، التى تفقد قدرتها على إنتاج صبغتها الملونة .

 

وهكذا على كافة أعضاء الجسم وأجهزته فإن الشوارد الحرة تؤكد وجودها وتثبيت دورها التخريبى . وطبيعى أن مثل هذا العمل الشائن يوجب حشد المزيد من مضادات التأكسد فى الأبدان لرصد تحركات الشوارد ومعادلتها قبل أن تتعرض للخلايا بالسوء .

 

وعند هذا الموضوع فإن خبراء التغذية وجدوا أن الليكوبين النباتي يعد من أقوى مضادات التأكسد الفاعلة فى الأبدان والقادرة على أسر الشوارد المؤذية وتجريدها من سلاحها قبل أى تتمكن من القيام بأى أذى . ولذلك فإن بعض خبراء التغذية يعدون أطعمة الليكوبين بمثابة " محطات توليد الطاقة والمناعة ضد الشيخوخة " ويعدها آخرون بمثابة " ينابيع الشباب الدائم والحيوية " .

 

ضد عصابة الأورام :

إن أهم شئ فى أمراض السرطان هو الوقاية لا العلاج . وهذا أمر ممكن فكل ما تحتاج إليه هو أن تزود جسمك بأطعمة الليكوبين . هكذا تقول دراسة نشرت مؤخراً فى مجلة الزراعة وكيمياء الأغذية "Jouranl of Agricultural   and Food Chemistry"  . تستند الدراسة على قدرة الليكوبين النباتي - كمضاد للتأكسد على تثبيط نشاط العديد من أنواع الشوارد الحرة التى تتسبب بحدوث السرطان . ويحتاج فهم آلية عمل الليكوبين كحزام أمان للوقاية من السرطان إلى معرفة أن خطوة بداية الورم تبدأ بحدوث تلف جزئ الحامض النووى " الدنا " DNA .ولسوء الحظ فإن أنواعاً من الشوارد الحرة كثيراً ما تنجح فى اختراق الحواجز الخلوية التى تحمى جزئ الدنا وتشن هجماتها بقوة عليه ، وتحدث فيه تلفاً واضطراباً شديدين . وهنا يتجلى كرم أغذية الليكوبين وسخاؤها : إذ ينطلق الليكوبين فى سوائل وأنسجة الجسم مطارداً الشوارد الهائجة مانعاً إياها من إتلاف الشريط الوراثى ومحبطاً أى تمرد خلوى ينذر بحدوث السرطان ولسوف نتناول الآن نتائج بعض الدراسات التى أجريت حول القدرة المذهلة لأطعمة الليكوبين فى مكافحة الأنسجة الثائرة :

1- أظهرت دراسة أجريت فى مركز سرطان أفيانو بإيطاليا ، أن الأفراد الذين يأكلون الطماطم سبع مرات على الأقل أسبوعياً تقل لديهم بمقدار النصف ، حالات الإصابة بسرطانات تجويف الفم ، والبلعوم ، والمرئ ، والمعدة ، والمثانة ، والقولون .

2- استبان للباحثين أن الأشخاص الذين يقل تركيز الليكوبين فى دمائهم ، هم الأكثر استهدافاً للإصابة بسرطان البنكرياس بقيمة تبلغ خمسة أضعاف الآخرين .

3- رصد محللون ذوى خبرة ودراية بسرطان عنق الرحق انخفاضاً فى معدل الإصابة بنحو
3.5 - 4,7 ضعفاً ، لدى النساء اللائى يداومن على تناول أغذية الليكوبية موازنة
بالأخريات .

4- أشارت دراسة فسيولوجية إلى وجود علاقة إيجابية بين تناول أغذية الليكوبين والحماية من سرطان الثدى .

5- أظهرت دراسة قيمة أجريت مؤخراً أن أكثر من 25% من محبى تناول الطماطم ومنتجاتها لديهم حصانة من الإصابة بسرطانات القناة الهضمية بنسبة تتراوح ما بين 30 ، 60% ، موازنة بغيرهم ممن لا يقبلون على أكلها .

6- أجرى باحثون فى الأرجواى تجارب مهمة فيما بين عامى 1996 ، و 1998 ، استهدفت معرفة درجة شيوع سرطانات المسالك التنفسية والهضمية العلوية وهل يمكن التحكم فيها بأغذية الليكوبين ؟

كانت النتائج واضحة : إذ حقق تناول أغذية الليكوبين خفضاً فى خطر الإصابة بالسرطان بنسبة 70% ، كما حقق خفضاً فى معدل النمو السرطانى بنسبة 77% .

7- أشارت دراسة مهمة نشرت مؤخراً فى " المجلة الأمريكية لإنتشار الأمراض بين السكان " إلى دور أغذية الليكوبين فى مكافحة سرطان الرئة ، لا سيما لدى المدخنين . إن الملاحظة الأولى التى سجلها الباحثون هى أن المدخنين الذين كانت دماؤهم تنطوى على تركيزات أكبر من الليكوبين ، كانوا أقل عرضة للإصابة بالسرطان . كما لاحظوا أن أغذية الليكوبين تبدو فعالة تماماً فى تخفيض الإصابة بهذا الداء بنسبة بلغت 27%.

8- اتضح من دراسة أخرى شملت رجالاً من المدخنين وغير المدخنين أن مجرد تدخين 3 سجائر كفيل بإنقاص 40% من تركيز الليكوبين بالدماء  .

 

صحة البروستاتا :

التقط البيولوجيون منذ وقت قريب ، خبراً مثيراً ، هو أن الليكوبين النباتي هو أكثر مركبات الكاروتينويد تواجداً فى نسيج الخصية لدى الذكور وأنه يتركز بصفة أساسية فى غدة البروستاتا Prostate gland ، ولقد أبدى البيولوجيون إصراراً وحزماً فى دراساتهم الخاصة بدور الليكوبين فى صحة وسلامة هذه الغدة العزيزة على الرجال كافة . وكان لهم كل الحق فى ذلك إذ وجدوا أن سرطان البروستاتا هو الأكثر حدوثاً لدى الذكور الذين يقل فى أبدانهم معيار الليكوبين . ووجدوا أن الذكور الأكثر إقبالاً على تناول أغذية الليكوبين ، هم الأقل عرضة للإصابة بهذا الداء الوبيل . وهو الذى يعد حالياً المرض الثانى الأكثر شيوعاً وفتكاً بالذكور من بين أنواع السرطان . وقد ذكر أنه الأوفر حظاً فى الولايات المتحدة الأمريكية وبخاصة بين الزنوج ، وفى السويد واستراليا وجنوب أفريقيا . ويبلغ أقصى درجات انتشاره فيما بين سن السبعين والثمانين ، حيث تبدأ أعراضه بصعوبة متزايدة فى التبول مع قلة فى شدة اندفاع تيار البول وكميته . ويأتى فى أعقاب ذلك مباشرة صعوبة تفريغ المثانة التى يتبقى بها قدر أكبر من البول رغم التبول الذى يصير فى النهاية لا إرادياً والواقع أن خطورة هذا الداء تكمن فى تضاعف أعداد المصابين به على نحو مثير. ففى الولايات المتحدة تضاعف منذ عام 1990 عدد الحالات الجديدة المبلغ عنها ثلاث مرات فى الست سنوات التالية ، حيث بلغ فى عام 1996 ، نحو 317100 حالة ، بعد أن كانت تقل عن 100 ألف حالة سنوياً . إن مرضاً على هذه الدرجة من الخبيث يستوجب البحث عن دروع مناسبة للحماية . ولحسن الحظ فإن الباحثين وجدوا أن الغذاء الأغنى بالليكوبين يبدو مدافعاً من الطراز الأول ومحارباً عدوه الأثيم . وليس هذا بغريب بالنظر إلى قوى الليكوبين كمضاد للتأكسد عظيم . وقد تأكد ذلك من خلال بحوث تجريبية عدة ، أظهرت أن رجالاً حصلوا على 6.5 ملليجرام ليكوبين أو أكثر يومياً قلت لديهم فرصة الإصابة بالسرطان بنسبة 21% موازنة بالذين حصلوا على قدر أقل . وفى الوقت نفسه تأكد المحللون من قدرة الليكوبين على إنقاص مستويات أنتجين البروستاتا النوعى ، والذى يكشف وجوده بالدماء عن خطر سرطان البروستاتا . على أن أهم ما أجرى من دراسات في هذا المجال هى الدراسة التي تمت في جامعة هارفارد الأمريكية ، على 48 ألف رجل واستمر متابعتها لمدة ست سنوات ثم انتشرت نتائجها مؤخراً بمجلة معهد السرطان القومي
" J. National Cancer Institute " . أظهرت الدراسة أن الرجال الذين يأكلون ما بين أربع وسبع وجبات أسبوعياً تتضمن الطماطم ومنتجاتها تقل لديهم فرصة الإصابة بسرطان البروستاتا بنسبة 20% ، موازنة بمن لا يأكلون أى قدر منها . وظهر  أيضاً أن الرجال الذين تناولوا عشر وجبات من أغذية الليكوبين أو أكثر أسبوعياً قلت فرصة إصابتهم بهذا الداء إلى النصف .

 

سلامة القلوب :

هناك باحثون ظلوا لسنوات يفكرون على نحو مختلف في الوظائف الحيوية لليكوبين النباتي حين يلج أبدان الآكلين . إذا كانوا يعرفون أن طبيعته كمضاد للتأكسد تساهم فى منع تراكم الشوارد الحرة داخل الأوعية الدموية والشرايين مما يفضى إلى إنقاص معدل الكوليسترول سيئ السمعة فى الدماء . وبتعبير أفصح فقد كانوا يفكرون فيما إذا كان بوسعة نشر حمايته على القلب نفسه ومنع سقوطه فريسة المرض . وتلقف باحثون فى جامعة نورث كارولينا الأمريكية على الفور هذه الأفكار ، وبدأوا فى أخذ عينات من دماء آلاف الأشخاص فى عدة دول أوروبية ، وقاموا بتحليلها لتقدير محتواها من الليكوبين ، ثم عقدوا موازنة فيما بين نتائج تحليل دماء مرضى القلب ، ودماء الأصحاء . 

أظهرت نتائج الدراسة أن معدلات الإصابة بالأمراض القلبية الوعائية كانت متدنية لدى الشعوب التى تمتاز بتركيزات أعلى من الليكوبين فى الدماء . كما أظهرت وجود الليكوبين فى أبدان الأصحاء ، بمقادير أكبر عما يوجد فى أبدان العليلين . ولأن الأصحاء ظلوا مدة الدراسة يطعمون المزيد من أغذية الليكوبين فقد خلصت الدراسة إلى التوكيد على قيمتها الحيوية للوقاية من خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين . وثمة علماء فنلنديون عكفوا منذ سنوات على إجراء بحوث جديدة فى هذا المجال .وهاك ما توصلوا إليه : لقد أدى تناول وجبات خالية من الطماطم ومنتجاتها لأمد طويل إلى تدنى مستوى الليكوبين فى دماء الآكلين وعلى هذا النحو زادت لديهم فرصة التعرض للأزمات القلبية وتصلب الشرايين المبكر خصوصاً فى منتصف العمر .

          وهكذا حسمت نتائج البحوث الجدل الدائر بين العلماء حول ما إذا كان الليكوبين النباتي له تأثيراً صحيا مفيداً فى حماية القلب ومنع تصلب الشرايين فى المراحل الأولى المبكرة .

 

الخصوبة والمناعة والعيون :

تساءل بعض البيولوجيين : أحقاً يمكن لليكوبين النباتي مكافحة الضعف الجنسي وعقم الرجال ؟ لم يكن أحد يعرف منذ سنوات قليلة الإجابة . ولكن جماعة من العلماء الهنود طرحوا التخمين جانباً . إذا كانوا يدركون تماماً أنهم لا يحتاجون إلى فروض ، بل إلى وقائع محددة أى معلومات حقيقية . وبدأ البحث .. فقام مجريون متمرسون أولاً بإختيار عدد كبير من الرجال تتراوح أعمارهم ما  بين23 ، 45 عاماً ويعانون من ضعف جنسي وانخفاض فى الخصوبة شديد وتأكد الباحثون من تدهور الخصائص الحيوية لمنوياتهم سواء من حيث الحجم أو العدد فى المللى لتر  المكعب أو العدد السليم للحيوانات المنوية أو معدل حركتها ونشاطها . لم يكن القرار الذي اتخذ هو تزويد الرجال بمقو جنسي أو بعقار سحري بل  تزويدهم بأغذية الليكوبين المتوفرة بالأسواق . أعطى كل فرد ملليجرامين من الليكوبين مرتين يومياً لمدة ثلاث أشهر . وعند هذه النقطة أصبح فى مقدور الباحثين الإجابة عن السؤال الآنف . ولقد أجابوا عليه ببراعة وحذق بعد أن تبين لهم أن كافة الرجال الخاضعين للتجربة ، تحسن معدل خصوبتهم بنسبة بلغت 67% . على أن الطريف هو أن العديد من زوجاتهم حملن وصرن بانتظار حادث سعيد عما قريب . وما كادت هذه النتائج تذاع حتى ظهر تساؤل جديد هو : أيمكن لليكوبين النباتي تقوية وتنشيط الجهاز المناعي ؟ وأجاب الباحثون بأنه يبدو كذلك .. فقد أظهرت بحوث قيمة أن تناول أغذية الليكوبين وارتفاع تركيز الليكوبين فى دماء الآكلين يفيد كثيراً فى تنشيط وظائف الجهاز المناعي .. فهو يزيد من فعالية ونشاط صنف من الخلايا الليمفاوية التائية يعرف بالخلايا القاتلة T-Killer cells .

 

ومرة أخرى عاد العلماء يبحثون عن منافع الليكوبين حين يلج الأبدان ، فعرفوا الكثير عن دوره فى الحماية من مرض المياه البيضاء " الكتاركت " Cataract . وهو المرض الذى يصيب عدسة العين ويجعلها معتمة غير  شفافة وبالتالى لا تقدر الأشعة الضوئية على المرور خلالها ، مما يفضى إلى إضعاف حدة البصر كثيراً . ولكن الباحثين وجدوا أن الليكوبين يمنع حدوث العتامة فى عدسة العين ، بل يمكن أيضاً أن يؤدى إلى تحسن العدسة التى أصيبت فعلاً بالمرض . وهكذا ، فإن غذاء الليكوبين لابد أنها ستصبح عما قريب جزءاً ضرورياً ومهماً من أى نظام تغذوى للإنسان العليل  وللصحيح على حد سواء .

 

التوفر الحيوى  :

تصور أن لديك شريحة مقرمشة من البطيخ الأحمر الريان أو ثمرة طماطم حمراء طازجة أو قدراً من الصلصة أو عجينة الطماطم المصنعة .. وعلمت أنها جميعاً تنطوى على القدر نفسه من الليكوبين النباتي .. فهل تتوقع حين تأكل أياً منها أن يتلقى جسمك الفوائد الصحية ذاتها ؟ لقد بحث علماء التغذية هذه المعضلة بعناية فائقة وتوصلوا إلى أن السر يكمن فى معرفة مدى سهولة " التوفر الحيوى " Bioavailability ، لليكوبين النباتي (جاهزيته للامتصاص فى الأمعاء) عقب تناول الطماطم مباشرة . وبصرف النظر عما يتوقعة الكثيرون فإن بحوث العلماء الألمان أبانت أن سهولة التوفر الحيوى لليكوبين فى الطماطم تكون منخفضة إذا أكلت نيئة ، إذاً لا يكون بمقدور الجسم الاستفادة من الليكوبين الموجود فيها . فى حين تزداد سهولة توفره الحيوى ، ومن ثم امتصاصه فى الأمعاء إذا عوملت الطماطم بالحرارة كأن تصنع على هيئة منتجات مثل عجائن الطماطم أو الصلصات .

 

إن المثير هنا، هو أن عمليات طهو الطماطم وتصنيعها تحسن من قابلية الليكوبين للامتصاص وتزيد من كمية المادة المتاحة التى يمكن أن يستفيد منها الجسم .

 

أما تفسير ذلك فيغزى إلى تعقد تركيب الليكوبين الطبيعى فى الطماطم النيئة ، حيث يوجد فيها مرتبطاً مع بروتينات وألياف الثمار . وهنا تهب درجة حرارة الطهو ومعاملات التصنيع للمساعدة حين تؤدى إلى تكسير تركيب خلايا الطماطم وتحرير وإنفراد ما تنطوى عليه من ليكوبين على صورة حرة ، فيصبح متاحاً ومتوافراً بسهولة للامتصاص فى الأبدان وقد كان لاستمرار الباحثين فى دراسة العوامل التى تؤثر فى " التوفر الحيوى " لليكوبين فضل كبير فى التعرف على مادة أخرى تساهم فى زيادة معدل الامتصاص . وهذه المادة لحسن الحظ متوافرة لدينا وشائعة الاستعمال فى عمليات طهو الطعام .. أعنى الزيوت والدهون . فالواقع أن تناول الزيوت الصحية مثل زيت الذرة أو زيت الزيتون مع الصلصات يهيئ ذوبان الليكوبين جيداً ، مما يساعد الجسم على حمله وامتصاصه مع الأمعاء ثم نقله سريعاً إلى تيار الدماء ، وإلى الأعضاء . ولكن ماذا عن ليكوبين البطيخ الأحمر الريان وهو الذى يؤكل نيئاً على الدوام ؟ 

إن باحثة التغذية " بيفيرلى كليفيدينس " Beverly Clevidence ، من معمل " فايتونيو ترانس لأبحاث الغذاء " Phytonutrients Laboratory أجريت مؤخراً بحثاً دام 19 أسبوعاً واشترك فيه 23 متطوعاً فحصت فيه التوفر الحيوى لليكوبين بعد تناول البطيخ مباشرة ، توصلت إلى أن البطيخ لا تلزمه الحرارة حتى يتوفر محتواه من الليكوبين بشكل أسهل للامتصاص فى الأمعاء . وبتعبير أفصح ، فإن التوفر الحيوى لليكوبين البطيخ يكون فى ذروة مستوياته حين يؤكل نيئاً ، كما هى عادة الآكلين على مر السنين .

 

الغذاء أم الأقراص ؟

لم يعد ثمة شك فى أن لفايتو الليكوبين منافع جمة ومكرمات توجب عدم الإفتراق عنه . ولكن أنصادق أطعمته الطبيعية من ثمار الفواكه والخضروات ، أم نصادق مستحضراته الدوائية من أقراص وكبسولات يدعو البعض إلى استخلاصها وتزويد رفوف الصيدلى بصنوفها ؟

يعتقد باحثو التغذية أن الإعلان عن أخذ حبوب وكبسولات الليكوبين ليس وارداً من الناحية التغذوية . أما محررو مجلة " التغذية اليوم " ، فقد أطلقوا مؤخراً تحذيراً من مغبة محاولة استخلاص الليكوبين من مصادره الطبيعية لتقديمه إلى الناس بمفرده فى صورة نقية على حد تعبير الكيميائيين . 

والحق أن الباحثين وجدوا فى تجاربهم العملية ، أن إعطاء الليكوبين بمفرده يفقده الكثير من المزايا الصحية ، كما يؤدى بالضرورة إلى فقد المغذيات الطبيعية والمركبات الفعالة الأخرى التى تنطوى عليها ثمار الفواكه والخضروات .

ولعلك تكون قد خمنت ما أرمى إليه . نعم إن الأفضل هو تزويد الأبدان يومياً بأغذية الليكوبين . فهى بكل ما تحويه من مغذيات ومركبات صحية ، كما أوجدها الخالق العظيم على نحو يعضد  بعضها بعضاً فى تآلف عجيب وانسجام هى التى تبشر بأعظم النتائج على طريق صحة الإنسان .

 

 

 

الصفحة الرئيسية