ولا عجيب إلا الخميرةالدكتور/ فوزى عبد القادر الفيشاوى |
|
|
قسم علوم وتكنولوجيا الأغذية - كلية الزراعة – جامعة أسيوط |
بالخميرة .. عالج التهاب الأعصاب
عجيبة من عجائب دنيا التغذية !!
فهى تحتل اليوم مكاناً يقع فى صميم نظم التغذية الصحية للإنسان. وإن علماء التغذية الذين تتملكهم حماسة الرواد المستكشفين ليؤكدون لك على أنها تعد أعظم اكتشاف غذائى فى جميع العصور. وإنهم ليزيدون بأنك إذا تناولت فى كل يوم وباستمرار ما أشرقت عليك الشمس قدراً مناسباً منها حرى أن تتمتع على طول الأيام بالقوة والشباب والحيوية. تلكم (العجيبة) هى الخميرة .. نعم خميرة الخباز !!
الخمائر أحياء نباتية دقيقة، وهى تقع من أقسام مملكة النبات فى أقسامها البسيطة الدنيا. وتتألف الخميرة من خلية واحدة، وتصنف فى تقسيم النبات ضمن الطائفة Class ، المعروفة بالفطر Fungi . وإنها لتظهر تحت عدسات المجهر على شكل كروى أو بيضاوى أو اسطوانى، والنوع الشائع بين أيدى الناس منها يتراوح قطرة بين 2 إلى 8 ميكرونات Micron (هو جزء من ألف من الملليمتر)، ويتراوح الطول بين 3 إلى 15 ميكروناً .
والخميرة ليست غريبة على الإنسان فقد استخدمها من قديم فى عمليات تخمير العجين ولكن الناس ظلوا لسنوات طويلة يعتمدون على الخميرة التى يربونها كيفما أتفق دون أن يعرفوا الصالح من الطالح ، ولهذا كان العجين لا ينتفخ كما يجب أن يكون الانتفاخ على أن باحثين بيولوجيين عرفوا كيف ينتقوا السلالات الجيدة التى تقوم بالتخمر السريع، وإطلاق غاز ثانى أكسيد الكربون الذى يتخلل العجين ويجعله مسامياً مرغوباً على نحو حاز إعجاب أصحاب المخابز وثناء ربات البيوت .
وقال الباحثون إن الخبز الذى تضاف إليه سلالات الخميرة الجيدة لابد أن يرتفع كما لابد أن ترتفع الشمس فى كل صباح. وعندما تأمل باحثو التغذية ملياً فى سلالات الخميرة الشائعة ، لاسيما خميرة الخباز Saccharomyces cervisiae ، وخميرة التوريولا (Torulopsis utilis) Torula yeast، فوجئوا بأن لديها قدرات جبارة على تخليق وتجميع الكثير من المغذيات.
ولأجل أن تعرف المزايا الغذائية المدهشة للخميرة، أقدم فيما يلى نتيجة تحليلها وسترى أنها تحوى ثمانية عشر فيتاميناً يدخل فى نطاقها المجموعة الكاملة لفيتامينات "ب"، كما تحوى ستة عشر حمضاً أمينياً وأربعة عشر معدناً جوهرياً لحياة الإنسان.
ومع مطلع القرن الحادى والعشرين بدأ باحثو التغذية العلاجية فى إعادة اكتشاف الخميرة، كما أعادوا النظر فى خصائصها الغذائية والشفائية. والحق أن القليل منا من تأمل فى هذه الخصائص .. وهذا أمر طبيعى فهى معرفة حديثة مازالت بنت اليوم.
تعلو الدهشة وجوه محللى الأغذية وهم ينظرون فى نتائج تحليل الخميرة، إذ يجدونها تنطوى على سائر أفراد عائلة فيتامينات " ب " العظيمة، وبتركيزات عالية. إن هذه العائلة تشمل نحو أربعة عشر مركباً أو أكثر. وهى جميعاً تذوب بالماء تماماً كما يذوب السكر أو الملح، ولا يدخر منها فى الأبدان أكثر مما تدخر الماء، ولذا تتطلب الصحة أن تقدم لها هذه المركبات كل يوم. إن أشهر أفراد هذه العائلة هو فيتامين " ب1 " المعروف بالثيامين Thiamin .
وإن الخميرة لتبدو من أغنى المصادر الغذائية فى الثيامين. ففى كل مائة جرام من الخميرة 9.7 ميللجرام من الثيامين، بينما لا يتجاوز الفيتامين فى مائة جرام من كل: السبانخ 1.2، فول الصويا 0.65، ردة القمح 0.5، اليوسفى 0.5، البندق 0.4، البسلة 0.36، الحمص 0.35، الفول السودانى 0.3، الجوز 0.26، اللحم 0.14، البامية 0.13، الطماطم 0.1 ملليجرام .
إن ثراء الخميرة بالثيامين يوفر فى الأبدان قدراً أعظم من مركب الثيامين بيروفوسفات، وهو قرين لإنزيم الكربوكسيليز، الذى يضطلع بدور مهم فى عملية إنتاج وحدات الطاقة المعروفة باسم " الأدينوزين ثلاثى الفوسفات " ATP، أثناء ميتابوليزم الكربوهيدرات. فعندما تتحول الكربوهيدرات إلى حامض البيروفيك، فإن الثيامين بيروفوسفات يقوم من فوره بإجراء هدم سريع للبيروفيك، عن طريق نزع مجموعة الكربوكسيل منه. وإذن تنطلق الطاقة اللازمة لاطراد الحياة، كما يتلاشى خطر حامض البيروفيك. وهذا صحيح ، فالحامض الذى يتكون بكميات كبيرة أثناء تمثيل الكربوهيدرات، يعد سماً شديد التأثير على الجهاز العصبى، إذا لم يتحلل سريعاً. وإن النقص الفاحش فى الثيامين هو الذى يدفع إلى تراكم الحامض، ومن ثم التأثير فى الأطراف العصبية والأربطة الموصلة والذى تكون من نتيجته آلام فى الأعصاب واضطراب فى القلب واختلال فى قناة الهضم .
بالخميرة .. عالج التهاب الأعصاب :
يوصى خبراء التغذية دوماً بتناول الأغذية الغنية بالثيامين، كلما تناول المرء مزيداً من الكربوهيدرات توسلاً لتوفير الطاقة فى الأبدان ووقاية من تراكم حامض البيروفيك الذى ينذر بالتهاب الأعصاب. وإننا لنعلم اليوم أن المراحل الأولى لنقص الثيامين، تتسم بحدوث اضطرابات تؤثر سلبياً فى الروح المعنوية للإنسان. إذ يغدو المرء كسولاً خائر القوى ضعيف الهمة فاتر العزم منحرف المزاج يثور ويهيج لأتفه الأسباب.
ومع استمرار هذا النقص تلتهب الأعصاب الطرفية شديداً وتجتاحها الآلام. لقد عالج الباحثون الطبيون اضطرابات عصبية من هذا القبيل بكميات وافرة من فيتامين "ب1" وشفيت. وكان النجاح فى الشفاء أعظم بإعطاء مصدر طبيعى للفيتامين بتناول قدر مناسب من الخميرة .
إن أول ما يتوجب العناية به من أجل سلامة وصحة القلوب هو تزويد الأبدان بفيتامينات المجموعة "ب" ولا سيما النوع "ب1" . إن العلماء الذين درسوا التأثير العظيم لهذا الفيتامين فى القلب قرروا أن نقصه الشائع هو سبب الإصابة بأزمات القلب المقلقة. ولتفسير ذلك أجرى "هاريس" وغيره من الباحثين تجاربهم على الفئران، وأسفرت هذه الأبحاث على أن نقص الثيامين يحفز على زيادة نسبة حامض البيروفيك، وعلى خفض معدل إنتاج وحدات الطاقة (ATP ) ، الضرورية لعمل عضلة القلب.
وفى مستشفى مايو الطبية بنيويورك أثبت العالمان " راسل وايلدر " ونورمان جوليف " أن حذف الثيامين من طعام الإنسان لمدة ثلاثة أيام يفضى إلى اضطرابات وظيفية فى القلب كأن يتدنى نبضة حيناً، ثم تسرع دقاته شديداً بمجرد أداء أى عمل مهماً كان يسيراً. وينذر استمرار المنع لأيام أخرى بدخول القلب مرحلة الخطر، حيث يتناوب نبضه بين البطئ للغاية والسريع للغاية وإن لم يبذل المرء أى مجهود يذكر. فإذا تواصل الحرمان أكثر دخل القلب مرحلة أخطر، فيزيد نبضه زيادة هائلة باستمرار حتى مع ركون الإنسان للراحة ثم يأخذ القلب فى التضخم. على أن المدهش، أن العوارض كلها لا تلبث أن تختفى بمجرد تزويد الجسم بقدر وافر من الثيامين ضمن أغذية طبيعية جيدة .
فإذا كنت صادق النية فى احتفاظ قلبك بحيويته فعليك أن تحرص منذ اليوم على تزويد جسمك بمصدر طبيعى للثيامين، مثل الخميرة ولو بكميات أكثر مما يلزم للجسم فإن هذا الفيتامين يذوب بالماء ولهذا فالزائد منه يخرج مع البول. وينبغى أن تأخذ من الخميرة مع كل أكله لأن حاجة الجسم للثيامين تتجدد كل يوم.
إن بوسع المرء أن يتجنب اضطرابات الهضم بأخذ قدر وافر من فيتامينات المجموعة "ب" وبخاصة النوع "ب1" من مصدر فائق كخميرة البيرة. هذه هى الحقيقة التى استخلصها الباحثون من دراساتهم، فقد وجدوا أن الخميرة تزيد من إفرازات العصارة الهاضمة والإنزيمات. فهى تزيد من إفرازات الغدد الموجودة فى الجهاز الهضمى مثل إفرازات غدد المعدة وغدد الأمعاء ، كما أنها تحسن من قدرة الأمعاء الدقيقة على الامتصاص .
ومما يستطاب ذكره، أن العلماء كشفوا عن دور مهم للثيامين فى آلية عمل العضلات بعامة وعضلات الأمعاء على وجه الخصوص. فقد تبين أن نقصه فى الأبدان يصيب العضلات بالوهن، على نحو يفضى إلى اضطراب حركة قناة الهضم، ومن ثم حدوث الإمساك. وإن باحثى التغذية العلاجية ليؤكدون اليوم على أن الهضم الردئ والغازات وأكثر حالات الإمساك يمكن أن تشفى فى غضون أيام قلائل بإتباع نظام غذائى متزن يحتوى على الخميرة .
فى عام 1932استطاع الألمانيان " واربورج " و " كريستيان " استخلاص مادة صفراء من الخميرة، وأثبتا أن لها دوراً مهماً فى تنفس الخلايا، هذه المادة هى فيتامين " ب2 " المعروف الريبوفلافين Riboflavin .
وهكذا فالخميرة هى مصدر أساسى للريبوفلافين إذ يوجد فى كل مائة جرام منها نحو 5.45 ميللجرام، بينما يوجد فى مائة جرام لكل من : الكبد نحو 3.5، فول الصويا 0.35، البيض 0.34، السبانخ 0.31، اللحم 0.30، الجرجير 0.30، السالمون 0.28، اللوبيا 0.25، اللبن الطازج 0.20، لحم الدجاج 0.16، العسل الأسود 0.16، الخيار 0.15، الخس 0.12، البرتقال 0.09 ميللجرام.
وتمثل قابلية الريبوفلافين للتأكسد والاختزال من خلال تفاعلاته كناقل لذرات الأيدروجين أساساً لفعله البيولوجى، ويدخل الفيتامين فى تركيب ما يزيد على عشرة من عوامل الحفز البيولوجية المتخصصة التى تكفل السير الطبيعى لتفاعلات الأكسدة والاختزال فى الجسم.
ولهذا فإن الفيتامين يلعب دوراً مهماً فى عمليات تمثيل الكربوهيدرات وإنتاج وحدات الطاقة منها، وكذا تمثيل الدهنيات والبروتينات. كما يساهم فى امتصاص الحديد وفى بناء هيموجلوبين الدماء. وبإيجاز نقول أن الريبوفلافين هو فيتامين الصحة والحيوية حيث يؤدى نقصه إلى انحطاط حيوية الأبدان، وتدهور وظائف خلايا البشرة والعيون. وإذن ليس غريباً أن نعرف أن الكثيرين مازالوا يستخدمون الخميرة كمقو عام لزيادة الحيوية، ومواجهة عوارض نقص الريبوفلافين.
منذ زمن طويل والأطباء يستخدمون الخميرة بنجاح لعلاج العديد من متاعب البشرة التى تعود إلى النقص الحاد فى الريبوفلافين. إن قدراً وافراً من الفيتامين يأخذه الفتى أو الفتاة فى مرحلة المراهقة من شأنه منع ظهور الأكياس الدهنية والبقع الجلدية فى الوجوه. وهكذا فإن الخميرة تبدو مفيدة للغاية فى علاج ظاهرة حب الشباب وفى المحافظة على صحة البشرة والغشاء المخاطى المبطن للأفواه.
هذا فى حين يؤدى نقص الريبوفلافين فى الأبدان إلى إدماء وتشققات فى الشفاه وإلى تسلخات تظهر على جانبى الأفواه على أن الوقاية من هذه الاضطرابات أسهل ما تكون ولا تكلف المرء سوى تناول خميرة البيرة يومياً لتوفير الريبوفلافين الذى يكفى حاجة الأبدان.
ولا تقتصر أهمية الريبوفلافين على صحة البشرة وجمالها بل إن له أهمية كبرى للعيون فهو " فيتامين جمال البشرة والعيون البراقة " وها هى تجارب الباحثين تثبت أن نقص الفيتامين يفقد العيون قدرتها على تحمل الضوء كما يؤدى إلى انهمار الدموع والشعور بالحرقان وإلى مزيد من الالتهاب الذى يحد من قدرتها على الرؤية الثاقبة ما لم يعجل المرء بتزويد جسمه بمصدر جيد للريبوفلافين. وهل ثمة من مصدر طبيعى للفيتامين أجود من الخميرة يأخذها المرء فى سائر وجبات الطعام وفى كل الأيام !!
فى عام 1845 تمكن الباحث الأمريكى " جولد برجر " من استخلاص مادة فعالة من خميرة البيرة تعالج مرض البلاجرا Pellagra (هو يعنى بالإيطالية الجلد الخشن). هذه المادة هى النياسين Niacin ، أو حامض النيكوتينيك Nicotinic acid، وهو أحد أفراد عائلة فيتامينات " ب " الفخيمة.
والحق أن الخميرة تعد من أهم مصادر النياسين إذ يوجد بكل مائة جرام منها نحو 53 ميللجرام، بينما تحتوى مائة جرام لكل من: الكبد 16.1، البلح الجاف 15، السالمون 7.4، الحلبة 5.7، لحم الضأن 5.6، اللحم البقرى 5.1، المخ 4.9، دقيق القمح 3.5، الموز 2.3، المشمش الطازج 0.7، صفار البيض 0.5، لبن الأم 0.26 ميللجرام.
ومعروف الآن أن النياسين يعمل فى الجسم كأحد مكونات نوعين مهمين من معاونات الإنزيمات، وهما: أميد حمض النيكوتنيك ثنائى الفوسفات ( NAD ) وفوسفات أميد حمض النيكوتينك ثنائى الفوسفات ( NADP). وتعمل هذه المعاونات فى التنفس الخلوى وفى عملية التحلل الجليكولى، وهى العملية التى بها يتحلل السكر حيوياً لإنتاج الطاقة.
وعادة فإن الأعراض الأولية لنقص النياسين تتمثل بحدوث التهاب فى الأغشية المخاطية المبطنة للقناة الهضمية ثم يعقبها احمرار جلدى والتهابات وبخاصة فى مناطق الجسم المعرضة لضوء الشمس. فخميرة البيرة الأغنى فى حمض النيكوتينيك مازالت حتى اليوم توصف بنجاح للوقاية من هذه المتاعب .
لتثق أيها القارئ الصديق أنه يستحيل الحصول على الهدوء العصبى بغير تغذية صحية ومتزنة. فإن التوتر الدائم والقلق العصبى الزائد، إنما هى علامات تدل فى الغالب على أن جسمك يحتج بهذه الوسائل على سوء تغذيته وعدم تزويده بما يلزمه باستمرار من فيتامينات الهدوء العصبى والاسترخاء ولا سيما فيتامين " ب6 " المعروف بالبيريدوكسين Pyridoxin. وهو الذى يوجد بوفرة فى الخميرة حيث تحتوى مائة جرام منها على 2.47 ميللجرام فى حين يوجد فى كل من : جنين القمح بتركيز لا يتجاوز 1.03، الكبد 0.81، اللحم 0.45، البسلة الجافة 0.4 ميللجرام .
لقد تأكد الباحثون من أن لهذا الفيتامين دوراً مهماً فى وظائف الأعصاب ونقل الإشارات العصبية وفى تصنيع الكثير من الكيميائيات التى تستخدم كنواقل عصبية، كما تأكدوا من دوره فى تهدئة وإراحة الأعصاب، إذ أجرى الباحث " سبايس " بجامعة " نورث وسترن " اختباراً على متطوعين من البشر بإعطائهم جميع فيتامينات " ب " ما عدا البيريدوكسين، فأصبحوا فريسة سهلة للتوتر العصبى والأرق وصاروا عرضة للتهيج والكآبة والوسواس وغدت أياديهم ترتعد وتأتى بحركات مضطربة لاإرادية.
ولكن ما أن أعطوا مزيداً من الفيتامين حتى عادوا إلى طبيعتهم السوية، وبعد أن كانوا مؤرقين، لا ينامون صاروا ينامون بعمق كالأطفال. وثمة دليل آخر يقدمه باحثو علم التداخلات الغذائية فقد لاحظوا أن النساء اللواتى يتناولن أقراص منع الحمل يعانين من كآبة وقلق وتوتر زائد، وكان السبب هو أن هذه الأقراص تتداخل على نحو سلبى مع البيريدوكسين، مما يؤدى إلى نقصه فى الأبدان.
ونضيف بأن للفيتامين مفعولاً مهدئاً لمراكز القئ فى المخ. ولأجل ذلك فهو يوصف للحوامل فى شهور الحمل الأولى لوقف القئ المتكرر. والحق أن من المفيد للغاية فى مثل هذه الحالات تناول خميرة البيرة الأغنى فى البيريدوكسين فهى الأفضل من أقراص الفيتامينات لأن زيادة جرعاتها قد تحدث اضطرابات الجهاز العصبى المركزى بدلاً من أن تعالج حالة الكآبة والتوتر العصبى .
لا تعالج أنيميا نقص الحديد بتناول مقويات مغذية تحتوى على عنصر الحديد فحسب بل لابد كذلك من تزويد الجسم بقدر وافر من فيتامين الريبوفلافين أو أحد مصادره الطبيعية كالخميرة البيرة. هذا لأن نقص الفيتامين فى الوجبة الغذائية من شأنه خفض معدل الإفادة من الحديد الذى يتوافر فى الغذاء.
وكذلك
فإن العلاج الناجع للأنيميا الخبيثة لا يستوجب فقط تزويد الجسم بفيتامين
"ب12" بل يقتضى أيضاً إمداده بفيتامين حامض الفوليك
Folic acid،
وهو أحد أعضاء مجموعة فيتامين " ب " المركب. هذا لأن نقص الفيتامين فى الأبدان يؤدى
إلى فشل نخاع العظام فى تكوين كريات الدم الحمراء. وبهذه المناسبة فإن باحثى
التغذية يعتقدون اليوم أن معظمنا يفتقر إلى حامض الفوليك بسبب عدم توازن الغذاء
العصرى.
على أن ثمة إناساً يبدون أكثر حاجة إلى الفيتامين من غيرهم إما لأنهم لا يتمثلونه بصورة جيدة أو لأن أبدانهم تكون بحاجة أكثر إلى المزيد منه. فقد وجد على سبيل المثال أن مالاً يقل عن 75% من النساء الحوامل يفتقرن إلى الفيتامين ساعة الوضع. ومرد ذلك إلى ما يستهلكه الجنين من فيتامين طوال مدة الحمل. وهذه الظاهرة تبدو أكثر خطورة عندما يحدث الحمل مباشرة فى أعقاب التوقف عن تناول أقرص منع الحمل فهذه الأقراص معروف أنها تتداخل سلبياً مع حامض الفوليك، وتزيد من مخاطر نقصه فى الأبدان.
على أن المدهش أن هذا الفيتامين يوجد بكميات وافرة فى خميرة البيرة وخميرة الخباز، مما يقتضى التزود بها يومياً توسلاً للوقاية من فقر الدم الوبيل. وثمة فيتامين آخر تزخر به الخميرة كشف الباحثون عن دوره فى تكوين خلايا الدم الحمراء والهيموجلوبين هو البيريدوكسين. فحينما يقل معياره فى الدماء يتعذر إدخال الحديد مع الهيموجلوبين فى خلايا الدم الحمراء ويظل قدر وافر من الحديد فى الدماء من دون المشاركة فى عمليات البناء.
لن يكون لك شعر جميل، قوى، لامع ولن تحتفظ بلونه الطبيعى ما حييت إذا لم تمنح جسمك فى كل يوم عناصر التغذية الضرورية. ومن العلماء من يعلنون بصفة قاطعة أن كل شعره بيضاء فى العالم كله، السبب فيها نقص فى عناصر التغذية. فلا سبب لضعف الشعر ولا سبب للشيب أصلاً غير ذلك النقص.
إن نقص الحديد والنحاس واليود وثلاثة من عائلة فيتامينات "ب"، وهى حمض البانتوثينيك، والأينوزيتول، وحمض بارا-آمينو- بنزويك، له أثر كبير فى إسراع الشيب فى الشعر وفى إضعافه وانحلال قوته قبل الأوان. وها هى خميرة البيرة تعد من أوفر المصادر الغذائية فى ثلاثى الوقاية من الشيب.
ولنأخذ حمض البانتوثينك Pantothinic كمثال، ففى كل مائة جرام من الخميرة نحو 0.45 ميللجرام، بينما نجد فى كل من الكبد والطماطم نحو 0.4، وفى كل من: الخيار والبرتقال 0.3، المشمش 0.29، البيض 0.27، الليمون 0.26، ردة القمح 0.24، البسلة الجافة 0.21، لحم الضأن 0.13، الجزر 0.11، لحم البقر 0.1 ميللجرام. ومهما يكن من شئ فإنه يلزم لمنع تساقط الشعر واحتفاظه بلونه الطبيعى، أخذ عشرة ميللجرامات يومياً من حمض البانتوثينك ونحو مائة ميللجرام من حمض بارا-أمينو-بنزويك وحوالى ثلاثة آلاف ميللجرام من الاينوزيتول .
إن بوسع هذا الثلاثى العجيب إلى جانب اليود والنحاس
والحديد أن ينشط نمو الشعر كل التنشيط فيساعده على استعادة لونه الطبيعى. فإذا كنت
ترغب جاداً فى أن تحتفظ بلون شعرك الأصلى على طول الأيام فعليك بأخذ خميرة البيرة
كل يوم قبل كل وجبة طعام. إنك بتناول الخميرة تتغلب على الضعف الذى يحدثه نقص ثلاثى
الفيتامينات المضاد
للشيب .
فى محاضراتى التى ألقيها كثيراً ما يتساءل جمهور الحضور عن الإحساس بالتعب والوهن الذى يجتاح المرء من وقت لآخر من دون سبب ظاهر، كما يتساءلون عن الوسائل التى يتوجب اعتمادها لتدارك هذا الإحساس البغيض. ويكون جوابى دائماً أنه لا يوجد سبب لانحطاط القوى والتعب الدائم غير الطبيعى سوى النقص فى بعض فيتامينات "ب" لاسيما الثيامين، وحمض النيكوتنيك والبيوتين.
وإن الأشخاص الذين يعانون من الإرهاق الدائم والتعب المقيم إذ ما تركوا ذلك النقص يستفحل لديهم سرعان ما تغدو أعصابهم فى أطراف أنوفهم كما يقولون. والحقيقة أن هذا الثلاثى هو الذى يمكن الجسم من تحرير الطاقة المخزنة فى الطعام، وبدونه يعجز عن إطلاقها فتبقى راكدة غير مستعملة. ومهما كان نوع الأطعمة التى تتناولها لتعطيك هذه الفيتامينات فينبغى أن تضيف إليها الخميرة قبل كل وجبة طعام أو خلالها وقبل أن تنام أيضاً.