الهندسة الوراثية فى الحيوانات.. الأهداف والمخاطر

الأستاذ الدكتور/ مسعد مسعد شتيوى

أستاذ فسيولوجيا الحيوان ورئيس قسم الإنتاج الحيوانى

كلية العلوم الزراعية بالعريش- جامعة قناة السويس

 

 المقدمه

أهداف الهندسة الوراثية فى حيوانات المزرعة

بعض المخاطر التى تسببها الحيوانات العبر جينية

العبث بالجينات..أكبر مساوئ الهندسة الوراثية

المراجــع

مقـدمــــة :

شهد الربع الأخير من القرن الماضى تقدماً هائلاً فى تطبيقات الهندسة الوراثية، فقد ظهرت للمرة الأولى الحيوانات العبر جنية Transonic animals، وهى الحيوانات التي نقلت إليها جينات من كائنات غريبة عنها فى الماضى، كان التزاوج بهدف التحسين الوراثى يحدث فقط بين أفراد السلالة أو النوع الواحد لأن هناك حواجز أو عوائق BArriers بين الأنواع يصعب اختراقها. إلا أن العلماء تمكنوا فى السنوات الأخيرة من التغلب على هذه العوائق باستخدام البيوتكنولوجيا الحديثة، بل وأمكنهم تبادل المادة الوراثية بين أجناس وأنواع مختلفة تماما، وكأن الحدود الفاصلة بين الكائنات الحية على اختلاف أنواعها من حيوانات وحشرات ونباتات... الخ، قد اختفت إلى الأبد. وبناء عليه فقد تولدت كائنات لم تعرفها الطبيعة من قبل.

فى منتصف الثمانينات من القرن الماضى ظهر أول تقرير (Hammer et al. 1985) يصف تكوين حيوانات عبر جينية من حيوانات المزرعة (أرانب، أغنام، خنازير). وتوالت التجارب فى هذا المجال لتشمل الماشية والماعز والدجاج و 35 نوعا من الأسماك
(
Christ & Schurkens, 2003). وعلى الرغم من هذه التطورات إلا أن أهداف التحسين أو التحوير الوراثى Genetic modification باستخدام البيوتكنولوجيا الحديثة هى نفسها تقريبا الأهداف التى كنا نسعى لتحقيقها بطرق التربية التقليدية، فكلاهما يسعى إلى تحسين إنتاجية الحيوانات وكفاءة تحويل الغذاء، زيادة قدرة الحيوانات على مقاومة المرض، زيادة قدرة الحيوانات على التأقلم للظروف البيئية، تحسين أو تغيير خصائص المنتجات الحيوانية. إلا أن التحوير الجينى باستخدام التكنولوجيا الحديثة يتميز بخاصيتين جديدتين لا نستطيع تحقيقهما بالطرق القديمة :

1- سرعة الحصول على الصفات المرغوبة.

2- نقل صفات معينة (جينات) بين أنواع لاتمت لبعضها بصلة قرابة، الأمر يؤدى إلى تكوين الحيوانات العبر جينية.

والتجارب تجرى حالياً على قدم وساق لتحويل حيوانات المزرعة إلى مصانع بيولوجية تنتج فى ألبانها بروتينات صيدلانية مفيدة، والبداية كانت كالعادة مع الفئران حينما تم إدخال الجين الذى يشفر (يكود) لهرمون النمو coding for hGH البشرى فى جينوم الفئران، وبالفعل تمكنت الغدد الثديية فى الفئران من التعبير عنه وإفراز الهرمون البشرى فى ألبانها. وتوالت التجارب منذ ذلك الحين على إدخال جينات موجهة Genes with site Directed promoters فى حيوانات المزرعة لانتاج ببتيدات وبروتينات صيدلانية فى ألبانها، وحينما تتزاوج هذه الحيوانات فإنها تمرر جيناتها لأبنائها، فتنتج الإناث منهم ألبانا تحتوى على هذه المركبات.

ولكن من أهم عيوب تكنولوجيا نقل الجينات فى الوقت الحالى أنها مكلفة، ومضيعة للوقت ومنخفضة الكفاءة حيث تتسبب فى نفوق أعدادا كبيرة من الأجنة أو المواليد ، بالإضافة إلى حدوث كثير من التشوهات الخلقية أثناء إجراء التجارب. أضف إلى ذلك الأخطار التى قد تنجم عن الحيوانات المعدلة وراثيا فى حالة هروبها واختلاطها بالحيوانات الموجودة بالبيئة الطبيعية، وما يصاحب ذلك من انتشار الجينات الغريبة، الأمر الذى يؤدى إلى اختلال التوازن البيئى وقد يؤدى فى الحالات الشديدة إلى القضاء على الحيوانات الطبيعية، خاصة إذا كانت الحيوانات المعدلة وراثيا تتمتع بمميزات تنافسية أقوى.

وهناك شكوك أيضا عند بعض الناس فى الغذاء أو الدواء الذى تنتجه تلك الحيوانات.  بالإضافة إلى خشيتهم من تسرب منتوجات غير تغذوية (non-food products) إلى موائد طعامهم فتصيبهم بالمرض أو بالتسمم. وسنناقش فى هذا المقال بشئ من التفصيل أهداف وفوائد التحوير الوراثى Genetic modification فى حيوانات المزرعة والأسماك، ثم المخاطر البيئية والصحية التى قد تنشأ بسبب هذه العمليات.

 

أولاً -  أهداف الهندسة الوراثية فى حيوانات المزرعة :

توفير الغذاء لملايين الجوعى والمحرومين فى شتى أنحاء المعمورة هو الهدف الأساسى المعلن من وراء تطوير الحيوانات العبر جينية، تأتى بعد ذلك الأهداف الطبية والعلاجية مثل زراعة الأعضاء وانتاج المركبات الصيدلانية وعمل نماذج أو موديلات من الحيوانات كبدائل للبشر تستخدم فى دراسة الأمراض البشرية وطرق علاجها.  من الطبيعى أن نسعى إلى زيادة انتاج الغذاء فى العالم ليواكب الزيادة المضطردة فى عدد السكان.  ولكن، هل كمية الغذاء التى تنتج فى هذا العالم(Output) هى العامل لنسبة الجوع أو سوء التغذية؟ من المخجل أن نعرف أن الإنتاج العالمى من الغذاء يكفى لسد حاجة الـ 6 ملايين إنسان الموجودين على سطح هذا الكوكب، إنتاج الحبوب وحده  cereal production alone إذا ماتم توزيعه بالعدل يكفى لسد حاجة جميع السكان من الطاقة" تقرير عن منظمة الـFAO العالمية.

المشكلة إذن ليست مشكلة إنتاج ولكنها، ويا للأسف، مشكلة توزيع، ولإدراك حجم الفجوة الاستهلاكية الضخمة بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية يكفى أن نشير إلى أن البلدان المتقدمة الغنية تضم فقط 20% من مجموع السكان فى العالم ومع ذلك فإنها تستهلك حوالى 86% من الاستهلاك العالمى، وفى المقابل فان أفقر 20% من سكان العالم يستهلكون فقط 1.3% من الاستهلاك العالمى. ورغم تصاعد النشاط الاقتصادى الذى يقدر حاليا بنحو 30 تريليون دولار سنوياً، إلا أن حوالى 1.2 بليون شخص فى العالم يعيشون على أقل من دولار واحد يومياً. الصفات التى يسعى العلماء لتغييرها- باستثناء تركيب اللبن- كلها صفات معقدة مثل النمو والتمثيل الغذائى، هذا بالإضافة إلى أن أنواع الحيوانات Breeds التى تم تطويرها تحت نظام الزراعة المكثفة وصلت حاليا إلى أقصى معدلات الإنتاج تقريبا نتيجة عمليات الانتخاب والتحسين على مدى عشرات السنوات. فمثلاً البقرة الحلابة تحت ظروف الزراعة الكثيفة تنتج الآن حوالى 6400  كجم من اللبن فى الموسم الواحد،  بل أن البقرة المتميزة من نوع الهولشتين يمكن أن تعطى حوالى 800010.000 كجم فى الموسم موازنة ب 2000-3000 كجم فقط منذ حوالى 70 عاما مضت.

وبالمثل كانت الدجاجة البياضة تعطى حوالى 70 بيضة فى العام ، وصلت حاليا إلى أكثر من 300 بيضة سنوياً. أما كتاكيت اللحم أو المشويات broilers فتصل حاليا إلى عمر التسويق والذبح بعد حوالى 6 أسابيع  موازنة ب 12 أسبوع منذ 30 عاما مضت. ولذلك فانه من غير المحتمل أن يتم إدخال جين غريب إلى جينوم الحيوان ليزيد من سرعة نمو الحيوان أو يحسن من إنتاجية دون أن يلحق به الأذى والضرر. وفى هذا الشأن يقول الدكتور كيفين وارد (Kevin Ward, CSIRO, 1999) من استراليا : أنه عند محاولة تحسين إنتاجية حيوانات المزرعة بطريقة نقل الجينات فانه لابد أن يتبع ذلك تغيير فى بعض النظم الفسيولوجية فى الحيوان مما يؤثر على التوازن الدقيق delicate balance فى البيئة الداخلية للجسم والذى استقر خلال عقود طويلة من الانتخاب والتحسين، ولذلك فإن جينوم الحيوان بوضعه الحالى يحتوى على التوليفة المثلى من الجينات optimized gene combinations والتى يصعب تغييرها أو تعديلها دون الإضرار بصحة الحيوان وحياته.

1- تحسيـن إنتاجية الحيوانات :

أ- زيادة سرعة النمو فى الحيوانات : معظم أبحاث نقل الجينات فى حيوانات المزرعة تركزت حول زيادة سرعة النمو، أولاها بسبب أهميتها من الناحية التجارية، وثانيها لأن هرمونات النمو استخدمت فى تجارب سابقة مع الفئران. لقد حاول العلماء نقل الجينات التى تشفر (تكود) لهرمون النمو بين حيوانات داخل النوع الواحد أو بين الأنواع المختلفة من الحيوانات على أمل أن يؤدى ذلك إلى زيادة سرعة نمو المواليد ووصولها بالتالى إلى الوزن المناسب للذبح أو التسويق فى عمر مبكر نسبياً- ومن المعروف أن هرمون النمو Growth hormone أو السوماتوتروبين Somatotropin من الهرمونات القوية التى تفرزها الغدة النخامية، وتؤثر فى نمو الهيكل العظمى والعضلات فى الحيوانات الصغيرة، كما أن له تأثيراً كبيراً فى تمثيل الكربوهيدرات والدهون بالجسم- وفعلاً أبدت بعض الحيوانات العبر جينية زيادة فى سرعة النمو، وزيادة فى نسبة اللحم/الدهن، وزيادة فى كفاءة تحويل الغذاء، ولكن كل ذلك لم يحدث بدون مقابل، بل إن المقابل كان باهظاً، فعندما تم تطوير أول خنزير عبر جينى بإدخال جين إضافى إلى جيناته، ويعرف بخنزير بلتسفيل Beltsville pig نسبة إلى المنطقة التى نشأ فيها.. يقول الباحثون أن هذه الخنازير العبر جينية أصيبت بأمراض لا حصر لها : قرحات فى المعدة، أضرار لحقت بالكلى والكبد  أمراض فى المفاصل والأرجل، فقدان التوازن، زيادة القابلية للإصابة بالالتهاب الرئوى، ضعف الرؤية، مرض السكر، أمراض جلدية بالإضافة إلى الكسل وفقدان الرغبة الجنسية.

          وفى المقابل نشرت مجموعة بحثية أخرى تقريراً يقول أن نقل جين هرمون النمو إلى الخنزير أدى إلى زيادة سرعة نموه دون أن يلحق به أضراراً خطيرة، ولكنهم اعترفوا بأن الخنزير العبر جينى الوحيد الذى أمكنهم تطويره لم يعش أكثر من 18 أسبوعا فقط، اضطروا بعدها إلى إنهاء حياته بسبب إصابته بالالتهاب الرئوى Pneumonia ، وفى آخر التقارير الواردة من المجموعة البحثية التابعة لوزارة الزراعة الأمريكية والتى طورت خنزير بلتسفيل، قالوا أنه أمكنهم إدخال جين عامل النمو الشبيه بالأنسولين (IGF-1) Insulin-like Growth Factor إلى جينات الخنزير.

          ويعرف عامل النمو IGF-1 بأنه عبارة عن سلسلة ببتيدية واحدة مكونة من 70 حمضاً أمينياً، ويتم تخليقه أساساً فى الكبد بالإضافة إلى بعض الأنسجة الأخرى، وإليه يعزى معظم تأثيرات هرمون النمو أى أنه يفرز استجابة لتأثير هرمون النمو ثم يقوم هو بالتأثيرات أو النشاطات المطلوبة فى الخلايا. وكان يسمى قديما بالسوماتوميدين Somatomedins . وقد أدعى بعض الباحثين إمكان استخدامه كدواء أو علاج تكميلى لتنشيط كثير من الوظائف الحيوية مثل زيادة نمو العضلات وحماية العظام والمفاصل وتحسين الأداء الجنسى والنوم والمناعة والوظائف العصبية. إلا أن الدراسات أشارت إلى أن المستويات المرتفعة منه تؤدى للإصابة ببعض الأورام السرطانية خاصة سرطان البروستاتا.

          وقد كانت تجارب إدخال الجين الخاص بعامل النمو IGF-1 إلى الخنازير مضنية للغاية، فبعد حقن 1207 من الأجنة الأولية Zygotes بالجين المذكور، أسفر ذلك عن ولادة 17 خنزيراً عبر جينى فقط، 6 منهم ماتوا قبل أن يصلوا إلى تمام النضج. أما المتبقون فقد ولدوا أصحاء، ولكنهم لم يظهروا أى زيادة فى سرعة النمو، بل ازدادت نسبة اللحم/الدهن فى الإناث منهم فقط. وقد أجرى هؤلاء الباحثون تجارب مماثلة على الأغنام وقالوا إن استجابتهم كانت أكبر من الخنازير وصحتهم كانت أفضل. أما الأغنام العبر جينية التى تحتوى على جين هرمون النمو (بشرى أو بقرى) فقد أصيبت بمجموعة من الأمراض على رأسها السكر، وجميعها ماتت فى عمر مبكر.

* حيوانات ضخمة وعضلات شوارتزنجر: فى عام 1997م نجح فريق من العلماء بقيادة ماك فيرون وزميله لى McPherron & Lee بجامعة جونز هوبكنز، من اكتشاف الجين المسئول عن تنظيم كتلة العضلات فى الجسم أو مضاعفة العضلات Double muscling كما يسمونه، هذا الجين يشفر لبروتين يسمى مايوستاتين Myostatin يقع ضمن مجموعة من عوامل النمو تسمى TGF-b، وأحياناً يشار إليه بعامل النمو الثامن GDF-8 عندما قاموا بإبطال مفعول الجين الذى يكود للمايوستاتين فى الفئران حصلوا على فئران عبر جينية تبلغ مرتين إلى ثلاث مرات حجم الفئران العادية، وقد علق أحدهم على ذلك بقوله: عندما ضربنا جين الميايوستاتين حصلنا على فأر يشبه شوازنجر الممثل القوى العضلات المعروف، حاكم ولاية كاليفورنيا حالياً.

          وتجدر الإشارة إلى أنه يوجد نوعان من الماشية هما الماشية البلجيكية الزرقاء والبيدمونتيز Belgian Blue & Piedmontese تظهران نفس الصفة أى "العضلات المضاعفة" بسبب حدوث طفرة فى الجين الذى يكود لبروتين المايوستاتين أدت إلى إبطال مفعوله knock-out gene، الأمر الذى يؤكد أن هذا الجين يقوم بنفس الوظيفة البيولوجية توقيف بناء العضلات- فى كل من الفئران والماشية.. هذا الاكتشاف قد يفتح الطريق أمام تطوير حيوانات لإنتاج اللحم القليل الدسم.

          وفى الإنسان قد يؤدى توقيف هذا الجين إلى علاج أمراض مثل ضمور العضلات Muscular dystrophy، وتقول إحدى النظريات أن زيادة إفراز المايوستاتين ربما تكون السبب فى عدم جدوى التمرينات الرياضية عند بعض المتمرنين فى رياضات كمال الأجسام أو رفع الأثقال مثلاً، بالإضافة إلى ما أثير من جدل حول إمكان استخدام مثبطات المايوستاتين من جانب بعض الرياضيين للفوز فى المسابقات الرياضية.

ب- زيادة سرعة النمو فى الأسماك :  حققت تجربة السالمون سريع النمو التى أجرتها شركة أكوا بونتى فارم AQUA Bounty Farm نجاحاً كبيراً فى هذا المجال، والشركة الآن فى انتظار الموافقة على إنتاجه تجارياً. وقد بدأت القصة عام 1994م حينما اشترك علماء من كندا والولايات المتحدة وسنغافورة وأمكنهم تطوير سلالة من السالمون العبر جينى الذى يفوق السالمون العادى فى الحجم بأكثر من 10 مرات ويصل إلى وزن التسويق (3-4.5 كجم) فى خلال 14 شهراً أو أقل (أقل من نصف المدة العادية تقريباً). وسر نجاح هذه التجربة أنها اعتمدت على نقل جين هرمون النمو من أسماك السالمون نفسها، وليس من الثدييات كما كان يحدث فى التجارب السابقة. ففى هذه التجربة تم حقن جين هرمون النمو بواسطة الحقن المجهرى فى حوالى 3000 بويضة مخصبة، تم توقيفها فى مرحلة الكيسة الأورمية Blastocyst (جنين أولى، عبارة عن كرة مجوفة فى قاعدتها كتلة من الخلايا)، وبعد عام أظهرت حوالى 6.2% من أسماك السالمون العبر جينى زيادة كبيرة فى سرعة النمو، وفى سرعة النضج الجنسى، وأمكنها توريث صفات النمو السريع للأجيال التالية.  ورغم ذلك، فقد دلت النتائج على أن التكنيك المستخدم فى تطوير هذه السلالة كان ضعيفاً وكفاءته منخفضة. بالإضافة إلى أن إدخال الجينات بطريقة عشوائية فى جينومات الأجنة يؤدى إلى إعاقة التعبير عن بعض الجينات الأصلية، وما يعقب ذلك من أضرار على الحيوان نفسه. وفى مناطق أخرى من العالم (مثل إنجلترا وتايلاند) يجرى حالياً تطوير أسماك سريعة النمو من البلطى Tilapia الذى يعتبر من أهم مصادر الغذاء فى كثير من دول أفريقيا وآسيا .

والسؤال الآن : أليس من الممكن الحصول على أسماك سريعة النمو بالطرق التقليدية للانتخاب والتربية؟

          يجيب عن هذا السؤال البروفيسور نورمان ماكلين قائد الفريق البحثى لتطوير البلطى بجامعة ثاوث هامبتون بإنجلترا فيقول: إن هذا الأمر يحتاج إلى عشرين عاماً على الأقل حتى نحصل على نفس سرعة النمو التى نحصل عليها باستخدام البيوتكنولوجيا الحديثة.

          وتجدر الإشارة إلى أن الاستزراع المائى Aquaculture قد ازداد زيادة كبيرة فى السنوات الأخيرة بحيث أصبح يشكل حوالى 25-30% من تجارة الأسماك العالمية (46 بليون دولار فى عام 1997م). ويتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 50% خلال الـ 25 عاماً القادمة، ويعمل الباحثون حالياً على إنتاج أنواع محسنة وراثياً أو عبر جينية من الأسماك الشهيرة مثل التروت Trout (السالمون المرقط) والمبروك Carp والمحار Oysters والجمبرى Shrimp .

جـ- إنتاج الصوف فى الأغنام : فى الأغنام أجريت الأبحاث لتكوين أغنام ذات إنتاج وفير من الصوف. حاول بعض الباحثين نقل الجين الذى يشفر لهرمون النمو إلى الأغنام، والبعض الآخر - كما فى نيوزيلاند مثلاً- حاول نقل الجين الذى يشفر لعامل النمو الشبيه بالأنسولين IGF-1 الذى تحدثنا عنه فيما سبق، وقد قام هؤلاء الباحثون بتطوير 48 رأساً من الأغنام العبر جينية، ثم قاموا بقياس إنتاج الصوف على مدى ثلاث سنوات فوجدوا زيادة مبدئية فى وزن الجزة مقدارها 6% فى أفراد الجيل الأول (عام 1966م)، أما فى أغنام الجيل الثانى والثالث فلم تظهر أى فروق ذات دلالة إحصائية بين الأغنام العبر جينية والأغنام العادية.

          وهناك باحثون آخرون فى استراليا ونيوزيلاندا حاولوا زيادة إنتاج الصوف، ولكن من منظور آخر، وهو تحسين استفادة الأغنام من الحمض الأمينى سيستئين Systein، وهو من الأحماض الأمينية الأساسية بالنسبة للأغنام بمعنى أن أجسامها لا تستطيع تصنيعه داخلياً، بل لابد من أن تحصل عليه عن طريق الغذاء لأنه يدخل فى تركيب الصوف، ولذلك فإنه يعتبر من العوامل المحددة لإنتاج الصوف. فالكائنات الأولية مثل البكتيريا والخميرة تستطيع تصنيع السيستئين من المواد الأولية، لذلك حاول العلماء نقل اثنين من الجينات من البكتيريا أو الخميرة إلى الأغنام كى تستطيع تخليق هذا الحمض الأمينى.

          وقد ظهر أول تقرير عن أغنام مزودة بجينات تخليق السيستئين فى عام 1995م، ولسوء الحظ لم تستطع هذه الأغنام (28 رأساً) تخليقه إلا بكميات ضئيلة ولعدة شهور فقط. وقد فسر كيفين وارد Kevin Ward الذى يعمل فى Csiro باستراليا هذه النتائج بقوله إن إنتاجه فى أجنة الأغنام بمعدل مرتفع له تأثير مميت Lethal، ولذلك فإن الأغنام العبر جينية التى عاشت لم تستطع التعبير عن الجينات الدخيلة (بسبب أنها وضعت فى المكان غير المناسب من الجينوم) أو فى أحسن الظروف استطاعت إنتاج السيستئين ولكن بكميات قليلة.

          وتجدر الإشارة إلى أن إدخال دورات تمثيلية أو ميتابولزمية Metabolic pathways من البكتيريا إلى الثدييات كان موضع آمال كبيرة من جانب بعض العلماء لدرجة أنهم أطلقوا عليه الإصلاح الميتابولزمى Metabolic repair ، ولكن كما رأينا فى تجربة السيستئين، فإن دورة معقدة كهذه لا يمكن إدخالها إلى الحيوان وتشغيلها دون الإخلال بعمليات التمثيل الغذائى فى الحيوان ككل .

2- تغيير خصائص المنتجات الحيوانية وإنتاج مركبات بيولوجية هامة :

أ- تغيير خصائص المنتجات الحيوانية :

          أجريت كثير من التجارب التى تهدف إلى تغيير خصائص معينة فى اللحم، اللبن، الصوف، البيض باستخدام تكنولوجيا نقل الجينات، ولكن تغيير تركيب اللبن ومكوناته كان أهم ما استحوذ على تفكير العلماء، وكانوا يسعون من وراء ذلك إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسة:

1- إنتاج لبن بقرى يماثل فى خواصه اللبن البشرى Humanizing cow's milk لتحسين خواص الفورميولا Formula المحضرة صناعياً لتغذية الأطفال.

2- زيادة نسبة المكون الأعلى قيمة فى اللبن وهو البروتين، فمجرد زيادة قدرها 10% فى نسبة البروتين فى اللبن تؤدى إلى زيادة أرباح صناعة الألبان فى الولايات المتحدة وحدها بمقدار 60 مليون دولار سنوياً.

3- تخفيض نسبة سكر اللبن (اللاكتوز) لفتح مزيد من الأسواق أمام تجارة الألبان، إذ يقدر نسبة من يجدون صعوبة فى هضم اللاكتوز (Lactose intolerance) بحوالى 70% من سكان العالم معظمهم فى آسيا .

          بالنسبة للبروتين تمكن العلماء من تطوير أبقار عبر جينية تنتج كميات كبيرة نسبياً من نوعين من بروتين اللبن المعروف بالكازين (casein). ومن المعروف أن الكازين هو البروتين الرئيسى فى اللبن وهو الذى يعطى اللبن خواصه الغذائية والتصنيعية. ويحتوى اللبن البقرى على أربعة أنواع من الكازين (aS1, B, aS2, and K-casein) تتجمع معا وتكون وحدات غروية كبيرة Large colloidal micelles يتراوح حجمها بين 20-600 نانوميتر (nm). وبالمقارنة بالتركيب المعقد لبروتين الشرش Whey proteins فان للكازين تركيب مفتوح ومرن، مما يؤدى إلى زيادة حجمه ومائيته وقدرته على تكوين المستحلبات Emulsions وثباته الحرارى، وكلها خواص ذات أهمية كبيرة فى صناعة الجبن. 

          فى نيوزيلاند استطاع بروفى Brophy وآخرون (يناير 2003) هندسة خلايا جنينية بقرية بحيث تحتوى على الجينات التى تشفر لنوعين من بروتين الكازين البقرى B & K-casein وأنتجوا إحدى عشر عجلة بقرية بالاستنساخ، كل منها يستطيع بعد النضج والولادة إنتاج لبن غنى فى محتواه من نوعى الكازين المذكورين.

          جيمس موراى James Murray وزملاؤه فى جامعة كاليفورنيا-ديفز أضافوا جينين جديدين إلى الماعز الحلابة، الأول يعمل على تقليل نسبة الأحماض الدهنية المشبعة، ويزيد من نسبة الأحماض الدهنية المفيدة، أما الثانى فيعطى اللبن خواص مضادة لنمو الميكروبات، الأمر الذى يجعله أكثر مقاومة لفعل الجراثيم التى تنشأ بسبب التلوث السريع للبن خاصة فى البلدان النامية. 

          ويقول موراى أنه يمكن تطبيق هذه الفكرة على الأبقار، وبالتالى إنتاج كميات كبيرة من الألبان التى تتمتع بهذه الخواص.. حاول الباحثون أيضا إنتاج لبن بقرى مرتفع فى معدلات الفيتامينات والكالسيوم ومنخفض فى نسبة الدهن. ولكن حتى الآن لم يصل أى لبن معدل وراثياً إلى مرحلة الإنتاج التجارى لسببين:

1- ارتفاع أسعار الأبقار المحورة وراثيا بطريقة لا تناسب الوضع الزراعى القائم حالياً.

2- لأن هناك إجراءات معقدة وموافقات لابد من الحصول عليها قبل السماح بتداول الأغذية المعدلة وراثيا خاصة عند استعمالها فى تغذية الأطفال .

تحسيـن لحم الخنزير باستخدام جينات السبانخ! : توصل الباحثون اليابانيون إلى تطوير خنزير عبر جينى يحتوى على جين من نبات السبانخ يسمى FAD2 ينتج إنزيم يختص بتمثيل الدهون من أجل إنتاج خنازير صحية قليلة الدهن .

ب- إنتاج مركبات بيولوجية هامة :

          أى كائن حى أو جزء منه يمكن استعماله كمصنع بيولوجى للأدوية..البكتيريا، الخميرة، خلايا الحشرات، خلايا الثدييات، خلايا النباتات، بيض الدجاج..جميعها تشكل نظماً إنتاجية متنافسة" R.W. Wall (USDA, 1999) ، ويمكن الحصول على البروتينات العلاجية البشرية بعدة طرق أهمها :

1- الاستنبات الخلوى Cell culture سواء فى خلايا البكتيريا أو النباتات أو الثدييات.

2- النباتات أو الحيوانات العبر جينية. 

          وقد كان هرمونا الأنسولين والنمو هما أول ماتم إنتاجه من البروتينات البشرية، بواسطة البكتيريا، فى أوائل الثمانينيات من القرن العشرين. وتتميز البكتيريا بكفاءتها وسرعة نموها، بالإضافة إلى عشرات السنوات من الخبرة المكتسبة فى مجال إنتاج الأدوية من النظم البكتيرية. إلا أن فشل النظم البكتيرية فى تصنيع البروتينات البشرية بطريقة صحيحة أى مطابقة تماما للبروتين البشرى أدى إلى تطوير نظم الإنتاج الأخرى مثل خلايا الثدييات Mammalian Cell Culture (MCC) ، وتم بالفعل الإنتاج التجارى لعدد من هذه البروتينات مثل الأريثروبيوتين، عوامل التجلط الثامن والتاسع وألبيومين مصل الدم البشرى ومنشط البلازمينوجين النسيجى. ريتشارد فرانسيس من شركة GlaxoSmithKline يصف الـMCC بأنه المعيار الذهبى الحالى لانتاج الأجسام المضادة (بروتينات معقدة مطلوبة بكميات كبيرة للوقاية من الأمراض).

          إنتاج بروتينات غريبة فى لبن الحيوانات العبر جينية بدأ فى عام 1987م حينما نشر علماء فى المعهد القومى للصحة فى الولايات المتحدة تقريراً عن إنتاج منشط البلازمينوجين النسيجى Tissue Plasminogen Activator (TPA) فى لبن الفئران - عبارة عن مذيب لجلطات الدم التى تسبب النوبات القلبية والدماغية- ومنذ ذلك الحين تم إنتاج حوالى 30 بروتيناً علاجياً بشرياً معظمها فى اللبن، بعضها فى الدم والبول، مثل اللاكتوفيرين، اللاكتالبيومين، ومضاد الثرومبين، مضاد التربسين، والليزوستافين وغيرها.

          كل ذلك أدى إلى ظهور ما يعرف بالصيدلة البيولوجية أو الحيوانية Pharming وتعنى إنتاج المركبات الدوائية بواسطة حيوانات المزرعة مثل الأبقار والأغنام والماعز. والعملية تتم بإدخال الجين البشري الذى يشفر للبروتين المرغوب- فى جينوم الحيوان بحيث يتم التعبير عنه (تخليق البروتين) فى نسيج الضرع فقط، ولذلك فانه لابد من إضافة قطعة من الـDNA تسمى الحافز أو المنظم إلى الجين البشرى، هذه القطعة تعتبر بمثابة المفتاح الذى يغلق أو يفتح عمليتى النسخ والترجمة بحيث يقتصرا على نسيج الضرع فقط، حتى يتم إفراز البروتين فى اللبن.

وهناك عدد من الأسباب وراء استخدام الحيوانات فى إنتاج الدواء أهمها :

1- يمكن بواسطتها إنتاج الدواء بكميات كبيرة وبتكاليف قليلة حسب التوقعات المستقبلية.

2- يمكن عند زيادة الطلب على الدواء الإكثار من هذه الحيوانات بسهولة، وبالتالى مضاعفة الإنتاج.

3- إنتاج هذه البروتينات الدوائية فى خلايا الثدييات يعنى أنها فى الصورة التركيبية المناسبة لجسم الإنسان.

          ولكن يجب قبل القيام بمثل هذه المشروعات التأكد تماماً من أنه لا يوجد أمامنا أى بديل آخر يتمتع بنفس المميزات. ومن أهم المركبات البيولوجية ما يأتى :

1- الإنزيم المضاد للتربسيـن al-antitrypsin (AT) : يعانى مرضى الامفزيما Emphysema أو انتفاخ الرئة من صعوبات شديدة فى التنفس. وهذا المرض له أسباب وراثية، ويظهر عند الناس المعرضين للمهيجات الرئوية Irritants أو الملوثات مثل دخان السجائر والكيماويات. عندما يتنفس الشخص السليم هواء ملوثاً فان الكريات الدموية البيضاء المعروفة بالنتروفيل (أو المتعادلات) Neutrophils والموجودة بالرئتين تقوم بإفراز الإنزيمات اللازمة لتكسير أو تحطيم الأجسام أو البروتينات الغريبة.

          والالستيزElastase (EL)  هو أحد هذه الإنزيمات المهمة التى تفرزها النتروفيل، ويقوم بهضم أى بروتينات غريبة أو مهيجات تدخل الرئتين مع الهواء. وكلما زاد تركيز الملوثات الموجودة فى الهواء الجوى كلما زاد إفراز إنزيم EL ، والمشكلة أن جدران الحويصلات الهوائية Alveoli فى الرئتين يحتوى على بروتين الالستين Elastin ليحفظ للرئتين مرونتيهما، بيد أن هذا البروتين يمكن تكسيره بواسطة إنزيم EL لولا أن زودنا الخالق جل شأنه بإنزيم مضاد يسمى (AT) ويسمى أيضاً a-lproteinase inhibitor هذا الإنزيم يمكنه الارتباط بـ EL فيوقف نشاطه وبالتالى يحمى نسيج الرئة من التلف.

          وتجدر الإشارة إلى أنه يوجد توازن دقيق بين هذين الإنزيمين (EL & AT) فمثلا إذا افترضنا أن إنزيم AT غير موجود أى أن الجسم لا يستطيع إنتاجه، فى هذه الحالة يفقد الجسم سيطرته على إنزيم الالستيز فيقوم الأخير بمهاجمة الألياف المرنة فى الرئتين محدثاً بها تلفيات كبيرة، تماماً مثلماً تتناول مقصاً وتقص به الفتحات الموجودة بأى شبكة عندك (شبكة الصيد مثلا) فتزيد من حجم الفتحات التى هى بمثابة الحويصلات الرئوية. وبسبب ظهور فراغات كبيرة فى النسيج الرئوى للمصابين بالامفزيما فإن المسطح الرئوى الذى يتم خلاله التبادل الغازى يقل بدرجة كبيرة، الأمر الذى يقلل من كفاءة الرئتين، ويزيد من درجة تأثرهما بالملوثات الهوائية.

          ويتم إفراز إنزيم AT بمعدل 2جم/يوم فى الأشخاص العاديين ووظيفته، كما أسلفنا، لحماية الرئتين من الإنزيمات المضادة للالتهابات، ولكن فى المرضى وراثياً يفرز الكبد إنزيماً معيباً misfolded يعرف بالصيغة Z من الإنزيم لا يستطيع حماية الرئتين، وبالتالى يتعرض هؤلاء الأفراد للإصابة بالامفزيما فى الثلاثينات أو الأربعينات من العمر غالباً، ويؤدى التدخين إلى تفاقم المشكلة. وبعض الأطفال المصابين بهذا العيب الوراثى يصابون بتليف الكبد بسبب تجمع الإنزيم المعيب فى الكبد. ويقدر عدد المصابين بهذا الخلل الوراثى فى الولايات المتحدة بحوالى 100 ألف.

          وقد أمكن فى السنوات الأخيرة تطوير أغنام عبر جينية تستطيع إنتاج إنزيم AT بوفرة، وبسعر رخيص حتى يكون متاحاً أمام المرضى الذين يحتاجون كميات كبيرة منه (حوالى 4 جم/الأسبوع أو 200 جم/السنة) يتعاطونها بالاستنشاق على هيئة أيروسول aerosol بنفس الطريقة التى يتعاطى بها مرضى الربو علاجهم.

2- بروتينات تجلط الدم Blood-clotting proteins : قام فريق من العلماء فى جامعة تايوان القومية عام 2002م بتطوير خنزيرة عبر جينية تنتج لبناً يحتوى على عامل التجلط البشرى التاسع Factor IX الذى يستخدم فى علاج مرضى سيولة الدم أو الهيموفيليا Hemophilia B . وفى عام 2003م قام فريق آخر بتطوير ماعز عبر جينية تنتج لبناً يحتوى على عامل التجلط البشرى الثامن Factor VIII الذى يستخدم فى علاج الهيموفيليا A، واستخدم العلماء طريقة الحقن المجهرى Microinjection لإدخال الجينات البشرية فى انوية البويضات المخصبة فى الخنازير أو الماعز بنسبة نجاح وصلت إلى 20%.

          ومن المعروف أن عوامل تجلط الدم (الثامن والتاسع) التى تستخدم لعلاج مرضى الهيموفيليا يتم استخلاصها من بلازما الدم، وتكون أسعارها مرتفعة لأن تركيزها فى الدم محدود، بالإضافة إلى صعوبة استخلاصها وتنقيتها. وتتكلف الجرعة أو الحقنة الواحدة حاليا أكثر من 900 دولار فى تايوان أما إذا استخلصت من ألبان الحيوانات العبر جينية فى المستقبل فيمكن أن تتكلف دولار واحداً ، هذا ما يتنبأ به الدكتور شينج فى تايوان .

3- هرمون النمو البشرى: فى يناير 2002م تمكنت شركة بايوسايدس Bio Sidus للبيوتكنولوجيا بالأرجنتين من تطوير بقرتين أسمتهما بامبا منسا 2، 3 (Pampa Mansa II & III) يمكنهما إفراز هرمون النمو البشرى hGH فى ألبانهما. وقال المتحدث باسم الشركة فانيسا باراكوا أن الهرمون الذى تنتجه البقرة الواحدة يكفى لسد حاجة الأرجنتين كلها -يوجد بها حوالى ألف طفل يحتاجون هذا العلاج- وقال إن الشركة أنفقت حتى الآن حوالى 4 ملايين دولار من المبلغ المتوقع إنفاقه وهو 6-7 ملايين دولار. وأضاف بأن احتياجات الأرجنتين من الهرمون تقدر بحوالى 7 ملايين دولار، بينما الاحتياجات العالمية تبلغ واحد بليون دولار، وأن شركته هى الوحيدة على مستوى العالم حتى الآن (فبراير 2004 تاريخ نشر الخبر) التى تنتج هذا الهرمون من الأبقار المعدلة وراثيا، إلا أن الهرمون ينتج بطرق بيوتكنولوجية أخرى فى مناطق عدة من العالم. وقد قامت الشركة بتصديره حديثا إلى البرازيل بعد توقيع عقد بمبلغ 8 ملايين دولار مع ساوباولو. وقامت الشركة أيضا باستنساخ 17 بقرة وتزمع التوسع فى إنتاج بروتينات علاجية أخرى بنفس الطريقة مثل الأنسولين لعلاج السكر، ومنشط البلازمونوجين لعلاج النوبات القلبية.  وقد قصدت أن انشر أخبار الشركة وأهدافها بشئ من التفصيل حتى يدرك القارئ حجم الاستثمارات التى يتم إنفاقها على مثل هذه المشاريع والعائد من وراء ذلك.

          أما الطريقة التى اتبعتها الشركة لنقل الجين الذى يشفر لهرمون النمو البشرى فتتلخص فى الآتى :

- أخذ خلايا تسمى Fibroblastic cells من أجنة الأبقار ويدمج بها الجين المرغوب .

- تؤخذ أنوية الخلايا (المعدلة جينياً) وتنقل إلى سيتوبلازم بويضات خالية من الأنوية .

- تنقل هذه الأجنة المعدلة جينياً وتزرع فى عجلات من نوع الأبردين أنجس (أو أى نوع آخر) .

- يعمل كولونات أو نسخ أخرى من العجلات الناتجة بأخذ خلايا جسمية Somatic cells من أى مكان مثل الأذن أو الضرع ..الخ، وتستنسخ بطريقة النعجة دوللى .

4- اللاكتوفيرين Lactoferrin : بروتين يحتوى على حديد ويوجد فى لبن الأم ويفيد فى حماية الرضيع من العدوى بعدد كبير من الأمراض، ويقع ضمن مضادات الأكسدة  Antioxidants. وقد جذب هذا البروتين انتباه كثير من الباحثين نظراً لخواصه المناعية الفريدة ومقاومته للعدوى الفيروسية والميكروبية والفطرية.

          واللاكتوفيرين يقع ضمن بروتينات الشرش، وهى بروتينات معقدة تتألف من مجموعة من الببتيدات الصغيرة، ويوجد بنسبة 0.5-1% من بروتين الشرش المستخلص من اللبن البقرى، بينما تبلغ نسبته فى بروتين الشرش المستخلص من لبن الأمهات حوالى 15%، ويعتقد كثير من الباحثين أنه المسئول عن قدرة الأطفال الذين يرضعون من صدور أمهاتهم على مقاومة العدوى بمختلف أنواعها موازنة بأقرانهم الذين يرضعون اللبن المجهز صناعيا لتغذية الأطفال الفورميولا Formula.

          وفى عام 1990 أنتجت الشركة الكندية GenPharm ثوراً عبر جينى يحتوى على الجينات البشرية التى تشفر لبروتين اللاكتوفيرين. وعندما يتزاوج هذا الثور، فإنه سيمرر هذه الجينات إلى "بناته" وبعد أن يصلن إلى تمام النضج فالحمل ثم الولادة فإنهن سينتجن لبناً يحتوى على اللاكتوفيرين البشرى. وبالمثل، استطاع العالم Berkel وآخرون عام 2002م تكوين أبقار عبر جينية أنتجت أيضا اللاكتوفيرين فى ألبانها.

5- الليزوزيم  :Lysozymeهو الموجود فى اللبن البشرى ويعادل 3000 ضعف الموجود فى اللبن البقرى، وتؤدى إضافة الجينات التى تشفر لليزوزيم واللاكتوفيرين البشريين إلى جينات الأبقار إلى تحسين الخواص التعقيمية أى المضادة للبكتيريا فى اللبن المنتج، وبالتالى تقليل قدرته على نقل الأمراض. بالإضافة إلى أن زيادة تركيز هذين البروتينين فى اللبن يؤدى إلى زيادة مقاومة الأبقار لعدوى التهاب الضرع Mastitis .

6- ألفا لاكتالبيومين  : a-lactalbminاستطاع العلماء أيضا (Eyestone, 1999) تطوير أبقار عبر جينية تنتج هذا البروتين بكميات أكبر من المعتاد. ومن المعروف أن هذا البروتين يوجد فى لبن الأم (المرأة) وفى اللبن البقرى أيضاً ولكن بنسبة أقل. وإليه يعزى الفرق بين النوعين فى تركيب الأحماض الأمينية، فالأول غنى بمحتواه من التربتوفان والسيستئين والمثيونين موازنة بالثانى. والتربتوفان بوجه خاص هو الذى يعطى للاكتوفيرين هذه الأهمية لكثرة تواجده فيه (5 جم/100جم بروتين). وهو مهم جداً للجسم لأنه يدخل فى تركيب بعض النواقل أو المرسلات العصبية الهامة مثل السيروتونين Serotonin بالإضافة إلى أهميته فى تخليق حمض النيكوتينيك (فيتامين B3) وهرمون الميلاتونين، ويلعب دوراً فى تنظيم الشهية وفى دورة النوم والاستيقاظ. لذلك فإنه لكى نصنع تركيبة تجارية أو فورميولا للأطفال من اللبن البقرى بحيث تكون مشابهة لتركيب لبن الأم فإننا يجب أن نضيف المزيد من الفالاكتالبيومين، ولايتأتى ذلك الا بالحصول عليه من مصدر رخيص نسبيا، ألا وهو لبن الأبقار العبر جينية.

7- حرير العنكبوت Spider silk protein : البداية كانت فى جامعة وسكنسون Wisconsin بالولايات المتحدة، حينما اكتشفوا أن هناك نوعاً من العناكب يعرف بالأورب ويفر ينتج مادة حريرية فائقة القوة Ultra-strong material تتحمل 400 ألف باوند/بوصة المربعة دون أن تقطع. والأنسجة المصنوعة من هذه الألياف يمكن استخدامها فى أغراض كثيرة، مثل صناعة الستر الواقية من الرصاص، صناعة بعض مكونات السيارات والطائرات وسفن الفضاء، وصناعة خيوط فائقة القوة وفى نفس الوقت قابلة للتحلل Strong & Degradable تستخدم فى العمليات الجراحية. وهذه الخيوط الحريرية القوية عبارة عن بروتين ينتج من غدد فى العنكبوت تسمى غدد الحرير Spider's silk glands، وهى تشبه الغدد الثديية بضرع الماعز. وتشريحياً تتكون الغدتان (فى العنكبوت وفى الماعز) من خلايا طلائية Epithelial cells تنتج وتفرز كميات كبيرة من البروتين الذائب فى الماء.

          تساءل العلماء فى شركة نيكسيا الكندية للبيوتكنولوجيا ماذا لو تقابلت هذه العنكبوت مع العنزة الحلابة ؟!

وكانت الإجابة: عندما تلتقى العنكبوت مع العنزة فإنها تنتج فى لبنها نوعاً فريداً من البروتين، يمكن استخلاصه وتحويله إلى ألياف حريرية قوية تعرف بالحرير البيوفولاذى Bio-steel ، وعلى الفور قام العلماء فى هذه الشركة بحقن جين العنكبوت فى بويضة عنزة مخصبة حديثاً، وبعد تطور الجنين ونموه إلى حيوان كامل، أصبح هذا الجين العنكبوتى واحداً من 70 ألف جين تحتويها خلايا العنزة. ويتم تنشيط جين العنكبوت فى العنزة أثناء الحليب، ويتم إغلاقه عند توقف الحليب، وتكون النتيجة أن العنزة الواحدة المحورة وراثياً تستطيع إنتاج 5 جم من بروتين الحرير فى كل لتر من اللبن تقوم بإنتاجه، وهى فى العادة تستطيع إنتاج لتراً ونصف من اللبن يوميا.

          وفعلاً تحول الحلم إلى حقيقة، وأعلنت الشركة فى عام 2000م عن ولادة اثنتين من إناث الماعز أطلقوا عليهما اسم BioSteel-goats أى الماعز البيوحديدية يحتويان فى جيناتهما جينات العنكبوت التى تشفر (تكود) لإنتاج بروتين الحرير، ويتم استخلاصه بعد ذلك من لبن الماعز وتحويله إلى حرير. وقد يتساءل البعض : لماذا لا يتم تطعيم النباتات بجينات العنكبوت بدلاً من الماعز فالنباتات سريعة النمو والتكاثر وتصلح للإنتاج التجارى؟ هذا ما حدث فعلا، فقد تعاونت شركة نكسيا مع معهد وراثة النبات ومعهد أبحاث المحاصيل بألمانيا وأعلنوا أنهم استطاعوا إنتاج حرير العنكبوت فى أوراق نبات التبغ وفى درنات البطاطس.

          ولا يفوتنا وقد تكلمنا عن خيوط العنكبوت أن نشير إلى الآية الكريمة  ) ...وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ( (1). فقد يعتقد البعض أن هناك تعارض بين ما اكتشفه العلماء حديثاً، وما ذكره الله فى كتابه الكريم، والحقيقة أنه لا يوجد أى تعارض لأن القوة الميكانيكية تقاس بمقدار أقصى حمولة يمكن أن تقع على وحدة المساحة (أى كجم/سم2 مثلا)، وفى هذه الحالة تعتبر خيوط العنكبوت أقوى من خيوط الفولاذ بشرط أن يكون السمك أو القطر متساو، ومعروف أن خيوط العنكبوت الطبيعية رفيعة جداً جداً أصغر شئ يمكن أن تراه العين المجردة، أرفع عشرات المرات من شعر الرأس فى الإنسان. إذن فهى ضعيفة إذا لم تتجمع ويزداد قطرها، فالصلابة التى نتحدث عنها بالتعريف العلمى هى خاصية واحدة من الخصائص التى تقاس بها متانة الألياف.

          ولعلنا نتذكر جميعاً دهشتنا ونحن تلاميذ صغار عندما سمعنا أن الماس (الذى يصنع منه المجوهرات) أصلد من الحديد، والدليل على ذلك أنه يستخدم فى قطع الزجاج، مع أن الماس يتكون من ذرات الكربون التى تتكون منها المادة العضوية، والحديد وصفه المولى عز وجل بقوله )...وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ...((2).

          إذن التفوق فى خاصية أو صفة واحدة ليس معناها التفوق فى جميع الصفات الأخرى. فإذا أردت مثلاً أن تصنع ساتراً لوقايتك من طلقات الرصاص أيهما تستخدم؟ الماس أم الحديد، بصرف النظر عن السعر؟ ثم إن طريقة البناء لها تأثير كبير على المتانة والقوة. فمثلاً الماس يتكون من ذرات كربون، وكذلك الجرافيت الذى يصنع منه أقلام الكتابة (الرصاص) والفرق بينهما يرجع فقط إلى طريقة بناء الذرات وتماسكها، كذلك الحال فى بيت العنكبوت لا يعتمد فقط على المادة المستخدمة فى البناء، وإنما يعتمد أيضاً على طريقة البناء، والعنكبوت لا تريد أن تبنى بيتاً لوقايتها من طلقات الرصاص، وإنما تريد بيتاً يحقق له هدف معين.. اصطياد الحشرات الضعيفة مثل الذباب والبعوض والنمل وغيرها، ثم إن العنكبوت عندما تبنى بيتها فإنه لا يستخدم الضغط والحرارة وغيرهما من الطرق التى تستخدم فى الصناعة الحديثة عند صناعة الحرير من شرانق دودة القز مثلاً، وإنما يستخدم قدرتها الفطرية التى وهبها له الخالق عز وجل.

          وأخيراً فان الخالق جل شأنه لم يخلق نوعاً واحداً من العناكب، وإنما ما عرفه الإنسان منها حتى الآن يزيد عن الـ 37 ألف نوع، بينها من الاختلافات مالا يعد ولا يحصى، كل يتكيف مع البيئة التى يعيش فيها، فمنها مثلاً من لا يبنى بيوتاً على الإطلاق ويعتمد على نفسه فى الصيد، ومنها من يبنى بيتا من النوع الشبكى أو القمعى أو الغير منتظم الخ.

          ومازال الإنسان فى وقتنا هذا رغم التقدم الهائل والثورات العلمية والمعلوماتية يحاول أن يقلد العنكبوت ويتساءل كيف تنسج العنكبوت بيتها، إن طريقتها أفضل من الطرق التى تستخدمها المصانع الحديثة، هذا ما يقوله الإنجليز برغم تفوقهم فى صناعة النسيج، وفعلاً قام أحد العلماء بجامعة أكسفورد البريطانية هو الدكتور ديفيد نايت بإنشاء شركة لنسج الخيوط بطريقة العنكبوت، ويقول أنه قد اختبر الخيوط الحريرية التى يفرزها العنكبوت، ويريد أيضاً اختبار حرير العنكبوت المأخوذ من لبن الماعز العبر جينية.

8- الدجاجة التى تبيض ذهبا هل تصبح حقيقة؟! : هل سيأتى يوماً نشترى فيه بيضة أو بيضتين من الصيدلية بتوصية من الطبيب؟  

          تمكن العلماء حديثا من تكوين دجاج عبر جينى يضع بيضاً يحتوى على بروتينات غريبة، فيما يمكن اعتباره خطوة مهمة نحو تحقيق الهدف الأساسى، وهو إنتاج مركبات صيدلانية فى البيض. ومن الجدير بالذكر أن إنتاج الأدوية من الدجاج العبر جينى فى بياض البيضة له من المميزات مالا يتوفر فى غيره من المنتجات الحيوانية كاللبن مثلاً، ومن أهم هذه المميزات :

- أن التناسل فى الدجاج سريع بمعنى أن الدجاجة تستطيع أن تكثر من نسلها فى فترة زمنية قصيرة لأن فترة الجيل Generation period فى الدجاج تبلغ حوالى ستة أشهر، أقصر بكثير من فترة الجيل بالنسبة لحيوانات المزرعة الأخرى، فالماعز مثلاً تحتاج حوالى 18 شهراً من بداية تكوين الجنين العبر جينى إلى أن تصبح عنزة حلابة تستطيع إدرار اللبن الذى يحتوى على العقار المطلوب .

- يتميز الدجاج بغزارة إنتاجه من البروتين، فالدجاجة الواحدة تبيض حوالى 300-330 بيضة فى العام، يحتوى كل منها على حوالى 6.5 جم بروتين (فى البياض والصفار) أى أنها تنتج أكثر من 2 كجم بروتين سنوياً.

- أن بياض البيض أقل تعقيداً من الناحية الكيماوية من اللبن، ويمكن استخلاص البروتين منه بسهولة ويسر .

                استطاع أليكس هارفى Alex Harvey وزملاؤه فى جامعة جورجيا الأمريكية ايلاج الجين الذى يشفر للإنزيم البكتيرى بيتا-لاكتاميز Beta-lactamase فى أجنة كتاكيت اللجهورن الأبيض، باستخدام الفيروسات كحوامل للجين. وقد أسفرت التجربة عن استجابة 2% فقط من الأجنة للجين المحقون بمعنى أن 2% فقط من الأجنة هى التى أنتجت الإنزيم فى بعض خلاياها. وكانت الخطوة التالية هى المزاوجة بين الدجاجات والديوك الذين اكتشف إنزيم البيتا-لاكتاميز فى خلاياهم التناسلية (البويضات والحيوانات المنوية)، النسل الناتج من هذا التزاوج وجد أنه يحتوى على نسخ من الجين فى جميع خلاياه، والإناث منه تضع بيضاً يحتوى على كميات محددة -رغم ضآلتها- من الإنزيم المذكور.

          وقد ذكر الباحثون فى تقريرهم (Nature Biotechnology,April 2002) أن الجين المنقول ظل ثابتاً فى الدجاج، وأن كل دجاجة استمرت فى وضع البيض الذى يحتوى على الإنزيم لمدة 16 شهراً على الأقل، وأن الجين المنقول ظل فعالاً لمدة تزيد عن أربعة أجيال من الدجاج. روبرت اتشيس Robert Etches أخصائى وراثة الطيور بكاليفورنيا علق على هذه النتائج بقوله إن مجرد وجود البروتين الغريب فى البيض يعتبر نتيجة طيبة، ولكن الأخبار السيئة هى إفرازه بكميات ضئيلة. لذلك فإنه ينصح بالعمل فى المستقبل على زيادة تركيز البروتينات الغريبة المرغوبة- فى بياض البيض، باستخدام طرق بيوتكنولوجية متقدمة. وذكر Etches مشكلة أخرى هى أن الفيروس المستخدم فى نقل الجين المذكور ودمجه فى جينومات الكتاكيت يمكنه فقط إدخال الجينات الصغيرة من أمثال البيتا-لاكتاميز، أما الجينات الكبيرة التى تبلغ 10 أضعاف هذا الجين فى الحجم فلا يستطيع نقلها، وهذه مشكلة لأن معظم الجينات المفيدة من النوع الكبير.

          والخلاصة، أنه بالرغم من أن إنزيم البيتا-لاكتاميز فى حد ذاته ليس له قيمة علاجية أو تطبيقية إلا أن التجربة أثبتت صحة المفهوم، ومهدت الطريق نحو إنتاج المركبات العلاجية المفيدة فى بيض الدجاج حتى نستطيع أن نقول أن الدجاج أصبح فعلاً يبيض ذهباً، وأن الحلم قد تحول إلى حقيقة.

جـ- زيادة قدرة الحيوانات على مقاومة المرض :

تسبب الأمراض خسائر كبيرة فى قطعان الحيوانات خاصة تلك التى تربى تحت ظروف الزراعة الكثيفة، وينطبق هذا ليس فقط على مجموعة الأمراض التى انتشرت فى الآونة الأخيرة مثل جنون البقر BSE، مرض القدم والفم، أنفلونزا الطيور، وأيضاً على الأمراض التقليدية القديمة من الناحية النظرية على الأقل، فإن هناك عدداً من الوسائل البيوتكنولوجية التى يمكن بها القضاء على هذه الأمراض (Niemann et al. 1996) :

- تحسين قدرة الجهاز المناعى فى الحيوان على مقاومة المرض.

- التحصين المناعى للحيوان Immunization.

- نقل الجينات الخاصة بمقاومة المرض للحيوان.

- إزالة الجينات التى ربما تسبب إصابة الحيوان بالمرض.

أجريت محاولات لنقل جينات الأجسام المناعية Immunoglobulins إلى الخنازير والأغنام (Lo et al. 1991, Weidle et al. 1991) لكى تعطى الحيوانات مناعة ضد العدوى بالبكتيريا، ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل. وبالمثل حاول مولر وآخرون
 
(Muller et al. 1992) نقل جينات إلى الخنازير لتكسبهم مناعة ضد فيروس الأنفلونزا، ولكن كان الفشل من نصيبهم أيضاً. وفى الأغنام حاول ديننج وآخرون (Denning et al. 2001) التوصل إلى سلالات من الأغنام مقاومة للبريونات التى تسبب الاسكرابى Scrapie، وهو مرض يصيب الجهاز العصبى فى الأغنام مشابه لجنون البقر BSE فى الماشية.

          التهاب الضرع Mastitis فى الماشية كان له نصيب أيضا من هذه التجارب، ومن المعروف أنه ينشأ نتيجة تلوث الضرع بالبكتيريا غالبا من نوع Staph. Aureus، ويتسبب فى خسائر اقتصادية فادحة فى قطاع الألبان.. حاول الباحثون التوصل إلى أبقار عبر جينية لها القدرة على مقاومة المرض، ولكنهم لم ينجحوا حتى الآن إلا مع الفئران، فقد استطاع كير وآخرون (Kerr et al. 2001) أن ينقل تركيبة جينية إلى الفئران مكنتهم من إنتاج المضاد البكتيرى Lysostaphin، وعلى أية حال يمكن اعتبار هذه التجربة بمثابة المقدمة التمهيدية لتكوين أبقار عبر جينية تتمتع بنفس الخاصية.

          وبالنسبة للدواجن، أجريت تجارب (Salter & Crittenden, 1989) تهدف إلى تكوين كتاكيت عبر جينية مقاومة لفيروس الليوكوزز Leucosis، ومن المعروف أن هذا المرضيطلق عليه سرطان الطيور- من أكثر الأمراض شيوعاً فى الدواجن.

          وتجدر الإشارة إلى أن الأنواع المحلية من الحيوانات Indigenous breeds أكثر قدرة من غيرها على مقاومة الأمراض المتوطنة فى المنطقة التى تعيش فيها، لذلك فإنه من الضرورى المحافظة على هذه الأنواع ووقايتها من خطر الانقراض خاصة، وأن الدراسات تشير إلى أن حوالى ثُلث الأنواع المحلية الأفريقية معرضة لخطر الانقراض.

د- تحسيـن قدرة الحيوانات على الاستفادة من العناصر الغذائية :

حوالى 80% من الفوسفور الموجود فى الحبوب النباتية يوجد على هيئة فيتات Phytate. الحيوانات الغير مجترة مثل الخنازير والدواجن والأسماك لا تستطيع الاستفادة من هذا الفوسفور لافتقارها لإنزيم الفيتيز Phytase اللازم لهضم الفيتات. ونظراً لأن الفوسفور من العناصر الحيوية الهامة اللازمة للنمو واستمرار الحياة، فإنه من الضرورى إضافته لغذاء الحيوانات التى تعتمد بصفة أساسية على الحبوب، مما يؤدى إلى زيادة التكاليف.

ومن ناحية أخرى فإن معظم الفوسفور الموجود فى الفيتات يتم إخراجه مع مخلفات الحيوانات وبالتالى يساهم فى تلوث البيئة بطريقة غير مباشرة لأن هذه المخلفات تستخدم فى تسميد التربة. وحديثاً استطاع العلماء باستخدام البيوتكنولوجيا الحديثة إيجاد الحل المناسب لهذه المشكلة، وتمكنوا من عزل الجين الذى يكود لإنزيم الفيتيز من بعض الكائنات الحية مثل الفطريات Fungi ونقله إلى الخنازير (Golovan et al. 2001) أو الدواجن أو الأسماك لتطوير حيوانات عبر جينية يمكنها تخليق الإنزيم الذى يمكنها من الاستفادة من الفوسفور الموجود بالحبوب، وبالتالى يستطيع المربى تخفيض كمية الفسفور التى كان يضيفها للغذاء، ويؤدى هذا فى نفس الوقت إلى تقليل كميات الفسفور التى تخرجها الحيوانات فى الروث.

هـ- زيادة قدرة الحيوانات على التأقلم مع الظروف البيئية :

يتميز كل نوع من أنواع الحيوانات بصفات معينة تمكنه من المعيشة فى ظروف بيئية خاصة، فإذا ما تغيرت هذه الظروف أو تم نقله من بيئة إلى أخرى، فإنه يجد صعوبة فى التأقلم والمعيشة، وبالتالى يقل إنتاجه وتتدهور صفاته، وترتفع نسبة الوفيات بين أفراده.

فى كندا .. جرت محاولات لتحسين قوة تحمل أسماك السالمون للصقيع باستخدام تكنولوجيا النقل الجينى (Hew et al. 1999, Hew & Fletcher 2001b). ومن المعروف أن السالمون فى كندا يربى فقط فى المزارع المائية التى تقع فى الشاطئ الجنوبى، أما الشاطئ الشمالى فالمناخ هناك شديد البرودة، ولا يصلح لتربية هذه الأسماك. وللتغلب على هذه المشكلة حاول العلماء تكوين أسماك سالمون عبر جينية عن طريق نقل جينات تكود لنوع من البروتينات يعرف بالبروتينات المانعة أو المضادة للتجمد.

وقد استطاع العلماء عزل جيناتها من أسماك الفلاوندر الأمريكية المفلطحة American winter flounder ونقلها إلى أسماك السالمون حيث يتم التعبير عنها فى الكبد. وعندما تنخفض درجة الحرارة إلى حد التجمد يقوم الكبد فى أسماك السالمون العبر جينية بإنتاج هذه البروتينات، ويطلقها فى تيار الدم فتخفض الدرجة التى يحدث عندها تجمد سوائل الجسم Lower the freezing point نتيجة عدة عوامل أهمها: تكوين روابط هيدروجينية بين البروتين والماء المحيط مانعاً إياه من التجمع على شكل حبيبات ثلجية، بالإضافة إلى احتمالات تكون طبقة كارهة للماء Hydrophobic interaction بين البروتين والماء.

مازالت الطريقة أو الميكانيكية التى تعمل بها مانعات التجمد موضع خلاف بين العلماء حتى الآن. ومن المعروف أن البروتينات المانعة للتجمد ليست مقتصرة على الأسماك، وإنما توجد أيضا فى الحشرات (بعض أنواع الخنافس والفراشات)، بل أنها فى الحشرات أقوى وأكثر كفاءة بمقدار يبلغ ستة أضعاف مثيلاتها فى الأسماك. وقد اكتشف الباحثون أن الحمض الأمينى ثريونين Threonine يتوافر بكثرة فى بروتينات الحشرات موازنة ببروتينات الأسماك، مما دعاهم للاعتقاد بأهميته فى تكوين الروابط الهيدروجينية التى تمنع تجمد الماء- حيث يوجد به مجموعات الهيدروكسيل اللازمة لتكوين تلك الروابط الهيدروجينية. ولكن هذا التفسير ليس كافياً لحسم الخلاف، وإنهاء الجدل القائم حول كيفية عمل البروتينات المانعة للتجمد، خاصة إذا علمنا أن هناك أربعة أنواع من هذه البروتينات، وكلها تتفاعل مع نفس المركب "حبيبات الثلج" لتعطى فى النهاية نفس النتيجة تقريبا. كيف تقوم إذن كل هذه الأنواع المختلفة من البروتينات بنفس الوظيفة؟ سؤال يحتاج إلى المزيد من الدراسات.

و- الكشف عن تلوث المياه :

يحاول الباحثون فى هولندا والولايات المتحدة واليابان تطوير أسماك عبر جينية يمكن استخدامها للكشف عن تلوث المياه (Amanuma et al. 2000, Carvan et al. 2001) بدلاً من أجهزة كشف التلوث المعقدة والمرتفعة الثمن فى الوقت نفسه.. وأهم الملوثات التى يهتم بها العلماء: المعادن الثقيلة، الهيدروكربونات الأروماتية، الدايوكسين وبعض المواد المسرطنة الأخرى فى الجامعة القومية بسنغافورة، يأمل الباحثون برئاسة الدكتور Zhiyuan Gong من نقل جينات إلى نوع من الأسماك الاستوائية تعرف بأسماك الزرد Zebrafish - نوع من السمك ليس له قشور بل جلد مخطط أشبه بجلد الحمار الوحشى- بحيث تمكنها هذه الجينات من تغيير لونها فى حالة وجود ملوثات فى المياه. أسماك الزرد العادية يكون لونها أسود وفضى، استطاع الدكتور جونج باستعمال طرق الهندسة الوراثية تطوير أصناف تعطى لونا أحمر أو أخضر فلورسنتى Fluorescent.

وقد تم استخلاص الجينات المسئولة عن هذه الصفة من قناديل البحر Jellyfish وبإضافة قطعة جينية تستخدم كحافز أو موجه Gene promoter (تعمل بمثابة مفتاح ضابط Control switch) يمكن تنشيط الجين فى أنسجة معينة فى السمك وتوقيفه فى بقية الأنسجة.

وتشير بعض التقارير إلى أن الباحثين تمكنوا من عزل حافزين لنوعين من الجينات، الأول ينشط بتأثير هرمون الاستروجين، والآخر ينشط بتأثير الإجهاد أو الملوثات. فى حالة وجود استروجينات فى المياه، يستجيب الحافز الاستروجينى فيعمل على تنشيط الجين المسئول عن تغيير اللون فى الأسماك إلى الأخضر مثلا، أما عند وجود معادن ثقيلة أو سموم فى المياه يستجيب الحافز الاجهادى المسئول عن إظهار اللون الأحمر، وهكذا فان الأسماك يتغير لونها تبعا لنوع الملوثات الموجودة فى البيئة المحيطة.

ويأمل الباحثون بقيادة الدكتور جونج من التوصل إلى حوالى خمسة ألوان فى أسماك الزرد، كل لون منها يكشف عن ملوث معين وبمجرد نظرة واحدة إلى هذه الأسماك يمكن تحديد نوع التلوث الموجود. وحتى الآن لا توجد تقارير تؤكد استخدام هذه الأسماك فى الكشف عن التلوث، ولكن التقارير الحالية الصادرة من الولايات المتحدة تقول بأن أسماك الزرد الملونة تباع هناك للاستخدام فى أحواض الزينة المنزلية.

ويقول المختصون أن المرحلة الأولى من التجربة هى التى تحققت، ومازال العمل جاريا لاستكمال المشروع وتحقيق الهدف منه. وهذا معناه أن الأسماك العبر جينية التى تم تطويرها حالياً تتلون بصفة مستمرة أما الأنواع التى تتلون اختيارياً عند وجود الملوث فلم تظهر بعد.

وتجدر الإشارة إلى أن لجنة صيد الأسماك بكاليفورنيا قد فرضت حظراً على امتلاك أو بيع هذا النوع من الأسماك أو أى أسماك أخرى عبر جينية فى الولاية، مما يجعل منها الولاية الوحيدة على مستوى الولايات المتحدة التى تتخذ مثل هذا القرار .

ثانياً- بعض المخاطر التى تسببها الحيوانات العبر جينية :

أ- المخاطر البيئية :

تختلف الأضرار البيئية التى قد تسببها الحيوانات العبر جينية باختلاف أنواع هذه الحيوانات ونوع التحوير الوراثى والمنطقة التى تربى فيها ونوع الرعاية والغرض منها ...الخ .

1- الثدييات والطيور : كمبدأ عام فإن احتمال حدوث خلط أو تزاوج بين الحيوانات العبر جينية والحيوانات البرية Wild populations وارد بالنسبة لجميع الأنواع دون استثناء، ولكن خطورة ذلك تختلف من منطقة إلى أخرى، فمثلاً فى أفريقيا وآسيا يحدث خلط طبيعى بين حيواناتهم وبين الحيوانات البرية هناك مثل الجاموس الذى يعيش بجوار الأنهار والمستنقعات، وينطبق ذلك أيضاً على الأغنام والماعز. أما بالنسبة للأرانب .. فحدث  ولا حرج، فاحتمالات حدوث الخلط مع الأرانب البرية كبيرة جداً مقارنة ببقية الثدييات، فالأرانب يمكنها الهرب بسهولة، بالإضافة إلى أن معدل تناسلها مرتفع جداً. وكذلك الحال بالنسبة للدجاج عموماً فإنه يمكن تقليل مخاطر الخلط الخارجى Outcrossing فى جميع أنواع الحيوانات التى ذكرناها إذا ما تحكمنا جيدا فى طرق رعاية الحيوانات بحيث لا يمكنها الهرب والتسرب إلى البيئة المحيطة.

          ولا يجب بأى حال أن تترك الحيوانات فى قطعان مفتوحة Open herds كما هو شائع فى بعض البلاد. ويجب حبس الأرانب العبر جينية فى أقفاص محكمة لا تستطيع الفكاك منها، حتى لو أدى ذلك إلى الأضرار نوعا بصحتها فأنه أخف وطأة من الأضرار بالبيئة، خصوصاً وأن التجارب السابقة أثبتت أن الأرانب لايمكن بأى حال منعها من الهرب إذا كانت تربى فى مزارع مفتوحة .

2- الأسماك: على النقيض من معظم حيوانات القطيع فإن الأسماك العبر جينية معرضة أكثر من غيرها. للاختلاط بالأسماك الموجودة فى البيئة الطبيعية. ففى السنوات الأخيرة هربت ملايين من أسماك السالمون من المزارع المائية فى كندا، الولايات المتحدة، أيسلاند، النرويج، أيرلندا واسكتلندا. وقد يرجع السبب فى ذلك إما إلى عيوب فى تصميم المنشآت أو تلفها وإما إلى أخطاء بشرية. وتجدر الإشارة إلى أن أسماك السالمون التى تربى فى المزارع المائية تمثل تهديداً خطيراً لأسماك السالمون البرية التى تعيش فى المحيطات فقد تنقل إليها بعض الأمراض والطفيليات. والأسوأ من ذلك هو تلويث الحصيلة الجينية لهذه الأسماك Contamination of their gene pool فمن المعروف أن سالمون المحيطات متأقلم مع البيئة التى يعيش فيها منذ آلاف السنين، فإذا ما اختلط بأسماك المزارع المائية انتقلت إليه جينات لا تساعده على المعيشة فى هذه البيئة، الأمر الذى يعرضه لخطر الانقراض خصوصا وأن أعداده أصلا فى تناقص .

* جينات طروادة Trojan genes: الأسماك العبر جينية الهاربة من مزارعها يمكن أن تعرض للخطر حياة الأسماك البرية، سواء التى من نفس النوع أو من أنواع أخرى. أما الأنواع البرية التى من نفس النوع فتتعرض للخطر بسبب دخول الجينات الغريبة إلى الحصيلة الجينية الخاصة بالعشيرة، وقد أطلقوا عليها جينات طروادة تشبيها لها بحصان طروادة لأنها يمكن فى الحالات الشديدة أن تدمر جميع أفراد العشيرة؟ فبالرغم من أن هذه الجينات لها تأثير ايجابى على حدوث ونجاح التزاوج نتيجة القوة والحجم الكبير للأسماك العبر جينية، إلا أن لها تأثير سلبى للغاية على حياة أو معيشة الذرية الناتجة offspring ووصولها إلى عمر التزاوج نتيجة اضطراب تركيبهم الوراثى، وطبقاً للمعادلات الرياضية، استنتج العلماء أن جينات طروادة يمكن أن تؤدى إلى انقراض أفراد العشيرة ككل فى خلال عدة سنوات. أما السبب فى تعرض مجتمعات أو عشائر الأسماك التى لا تتبع نفس نوع الأسماك العبر جينية للخطر، فيرجع إلى إعطاء الأسماك العبر جينية ميزة تنافسية،  فمثلاً صفة زيادة استهلاك الغذاء التى أدخلت إلى السالمون العبر جيني السريع النمو يمكن أن تؤدى إلى هلاك أو انقراض الأسماك المحلية أو البرية بسبب عدم قدرتها على التنافس معه على الغذاء. لذلك فإنه يجب عدم تربية الأسماك العبر جينية فى مزارع مائية فى بحار مفتوحة حتى لا تضر بالنظام البيئى Ecosystem فقد وجد أن احتمالات الهرب من تلك المزارع مرتفعة للغاية، والحل البديل للتقليل من هذه المخاطر هو التربية فى منشآت أرضية مغلقة.

* أسماك عبر جينية عقيمة : هناك محاولات فى الوقت الحالى لإنتاج أسماك عبر جينية عقيمة Sterile من أجل التقليل من الأخطار التى قد تلحق بالبيئة عند تربيتها فى مزارع مائية فى بحار مفتوحة. وهذه الأسماك يتم تزويدها بجينات تثبط أو توقف من إفراز هرمونات جنسية معينة، ومع ذلك فقد لوحظ أن درجة العقم لم تصل إلى 100% فى أى من التجارب التى أجريت حتى الآن. بالإضافة إلى أنه لا يوجد أى ضمان على أن تثبيط أو إيقاف عمل الجينات التى تكود لإفراز الهرمونات الجنسية يمكن أن يستمر طوال حياة هذه الأسماك. لذلك فإن الاحتمال قائم فى أن تتحرر بعض هذه الأسماك العبر جينية من عقمها وتستطيع التناسل. وعموماً ليست هذه هى الطريقة الوحيدة لإنتاج أسماك عبر جينية عقيمة، فهناك طريقة أخرى تعتمد على ما يعرف بـ Polyploidization وتعنى وجود أكثر من مجموعتين مفردتين من الكروموزومات More than two haploid sets، وهذا وضع غير عادى فى الحيوانات، حيث يؤدى فى الغالب إلى العقم إلا أن هذه الطريقة أيضاً غير مأمونة .

ب- تأثير الحيوانات العبر جينية ومنتجاتها على صحة الإنسان :

يمكن تقسيم هذه التأثيرات أو المخاطر إلى قسمين:

1- مخاطر قد تلحق بالإنسان نتيجة تناوله منتجات الحيوانات العبر جينية.

2- مخاطر قد تنجم من التعامل المباشر مع الحيوانات نفسها، كالعدوى بالأمراض مثلا.

أجريت دراسة فى كوبا (Guillen et al. 1999) لمعرفة تأثير استهلاك أسماك البلطى العبر جينية على الإنسان، تم توزيع الأسماك على 11 فردا من المتطوعين لاستهلاكها يومياً لمدة خمسة أيام. أوضحت النتائج عدم وجود تغيرات غير طبيعية فى دماء هؤلاء الأشخاص. ورغم ذلك فإنه لا يمكن الاعتماد على هذه النتائج أو اتخاذها كدليل على سلامة هذه المنتجات، نظراً لقلة عدد الأشخاص الذين أجريت عليهم التجربة ولقصر الفترة الزمنية أيضاً. بالنسبة للأسماك العبر جينية أوضحت التجارب وجود تغيرات كيميائية فى أجسامها، فمثلاً ازدادت نسبة المياه والبروتين وقلت نسبة الدهن وتغيرت مستويات الأحماض الأمينية موازنة بالأسماك العادية.

وحالياً يوجد جدل كبير حول مدى سلامة الأغذية المحورة وراثياً، فالبعض يقول إنها تسبب الحساسية والبعض الآخر يقول إنها تحتوى على سموم، لذلك فإننا فى حاجة إلى مزيد من الدراسات القوية للإجابة على جميع التساؤلات قبل طرح هذه المنتجات فى الأسواق. وحتى بعد طرح المنتجات فى الأسواق، فإن الأمر يحتاج إلى مزيد من المتابعة نظراً لأن بعض التأثيرات أو الأضرار لا تظهر إلا على المدى الطويل، كما حدث مع هرمون النمو البقرى المحضر بالطرق البيوتكنولوجية (rbGH) ، والذى طرحته شركة مونسانتو Monsanto الشهيرة فى الأسواق منذ منتصف الثمانينيات، ويباع فى الأسواق تحت الاسم التجارى بوسيلاك Posilac، ويتم حقن نسبة كبيرة (حوالى 22%) من أبقار الحليب فى الولايات المتحدة بهذا الهرمون مرة كل أسبوعين بغرض زيادة إنتاجها من اللبن. ورغم ذلك فقد أعلنت شركة مونسانتو تخفيض مبيعاتها من هذا الهرمون إلى النصف. وهو يعتبر أول عقار بيوتكنولوجى تجيزه هيئة الغذاء والدواء الأمريكية FDA باعتباره وسيلة من وسائل زيادة الإنتاج.  إلا أنه كما تقول الهيئة شكل أكبر مشكلة بالنسبة لها، حيث استمر الجدل قائما لمدة طويلة حول سلامته سواء لصحة الإنسان أو الحيوان. وللتغلب على هذا الجدل اضطرت الهيئة أن تنشر تقريراً فى مجلة ساينس Science الأمريكية عدد أغسطس من عام 1990م، تقول فيه إن الهرمون فى اللبن الناتج من الأبقار المحقونة يتم تحطيمة أثناء عملية بسطرة اللبن، بناء على دراسة قام بها أحد الباحثين فى كندا.

ويتركز الخوف من استهلاك لبن الأبقار المعاملة ليس من الهرمون المحقون فى حد ذاته، ولكن من هرمون آخر تابع له يسمى عامل النمو الشبيه بالأنسولين IGF-1 الذى تحدثنا عنه سابقاً، وعرفنا أن هرمون النمو سواء كان طبيعياً أم صناعياً هو الذى ينظم إنتاج هذا العامل البروتينى أو المرسال المعجزة Miraculous messenger -كما يطلق عليه- والأخير هو الذى يتحكم فى نمو الخلايا وفى أداء وظائفها الحيوية. وزيادة إفراز هرمون النمو الطبيعى أو الصناعى- تعنى زيادة إفراز هذا المرسال، وتركيبه متشابه فى الأبقار والإنسان، وبعضه يوجد طبيعياً فى لبن الأبقار، إلا أن نسبته تزيد فى لبن الأبقار المحقونة بالهرمون. ومن هنا جاءت الخطورة، فقد أثبتت بعض الأبحاث وجود علاقة بين المستويات المرتفعة من هذا الهرمون IGF-1 والإصابة بالسرطان..هذا بالنسبة للإنسان، ناهيك عما يحدث فى جسم الحيوان المسكين المحقون بالهرمون، فقد أثبتت الدراسات أنه يزيد من ميتابولزم الحيوان بطريقة خرافية حيث يزداد الدم الوارد إلى القلب بمقدار الثلث مما يشكل عبئاً كبيراً على عضلة القلب، فإذا علمنا أن القلب فى البقرة الحلابة يحتاج أن يضخ حوالى 500 لتر من الدم حتى يستخلص الضرع منها المركبات اللازمة لتكوين لترا أو كيلوجراما واحدا من اللبن، احسب كم من الدم يجب أن يضخه القلب لإنتاج 30 كجم من اللبن يوميا؟ حوالى 15 طناً!.

ويجب أن نشير هنا إلى أن إنتاج اللبن ليست وظيفة خاصة بالضرع والقلب فقط، فمثل هذه البقرة (التى تنتج 30 كجم من اللبن) تنتج يومياً حوالى 1 كجم بروتين، 1 كجم دهن، 1.38 كجم لاكتوز (سكر اللبن) فى اللبن الذى تنتجه. إذن لابد أن تكون جميع أجهزة الجسم وأعضائه المختلفة قد بذلت مجهوداً جباراً حتى تنتج هذه الكميات من المركبات الحيوية الهامة. إنها معجزة إلهية لا تحتاج إلى تعليق بل تحتاج إلى تفكر وتأمل )...وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ ...( (1).

وقد أشارت بعض التقارير -التى تسربت من شركة مونسانتو إلى وسائل الإعلام بطريقة غير رسمية- إلى أن وزن الأعضاء الحيوية الهامة يزداد بطريقة كبيرة فى الأبقار المحقونة بالهرمون موازنة بالأبقار العادية، وهذا بالطبع ينسجم مع المنطق الذى شرحناه آنفاً. ويقال أيضاً أن هذا الهرمون بسبب فعاليته الشديدة يتسبب فى تلف وموت النسيج العضلى فى مكان الحقن. وبعد كل ذلك، يتساءل الناس: لماذا خفضت شركة مونسانتو مبيعاتها من هذا الهرمون إلى النصف فقط ولم تقطعها كلية.

وثمة مثال آخر شهير يوضح أن بعض التأثيرات الضارة لا تظهر أحياناً إلا بعد عشرات السنين: حدثت هذه الواقعة فى مستشفى Massachusetts العام بالولايات المتحدة بين عامى 1966-1969م، سبع فتيات تتراوح أعمارهن بين 15-22 عاماً مصابات بأورام مهبلية خبيثة Adenocarcinoma. وكانت هذه أول مرة يحدث فيها هذا الورم فى نساء أقل من 30 عاماً، إنه يحدث فقط فوق سن الخمسين. تم استقصاء أسباب ظهور هذه الحالات فتبين أن أمهات هؤلاء الفتيات كن يتعاطين هرمون الاستروجين المخلق صناعيا والمعروف بـ Diethylstilbesterol (DES)، وهن حوامل فى الثلث الأول من الحمل بهدف المحافظة على الحمل ومنع حدوث الإجهاض، فقد كان يعتقد بأن هذا العقار ينشط المشيمة ويساعدها على إفراز هرمونى الاستروجين والبروجيسترون. المهم أن الضرر لم يحدث للأمهات، ولم يحدث للأجنة الإناث وهن مازلن فى بطون أمهاتهن، وإنما حدث فقط بعد أن وصلن إلى سن البلوغ أى بعد 15-20 عاما من تعاطى أمهاتهن الدواء .

          وعموماً فإن أوروبا أكثر تحفظاً من الولايات المتحدة تجاه التعامل مع الحيوانات المهنسة وراثياً أو تداول منتجاتها، ففى تقرير صدر عن الجمعية البريطانية عام 2001م يقول البريطانيون فيه أنهم لن يضعوا أى أغذية معدلة وراثياً على موائد طعامهم قبل مضى عشر سنوات على الأقل (أى بعد عام 2011م)، هذا فى الوقت الذى يقول فيه ليستر كروفورد Lester Crawford من الـFDA أن الأغذية المعدلة وراثياً أثبتت أنها لا تختلف فى شئ عن الأغذية العادية، ويعترف بأن 68% من فول الصويا، 70% من محصول القطن، 26% من الذرة، 55% من الكانولا أو الشلجم الذى يزرع فى الولايات المتحدة تم تعديلها وراثياً.

جـ- تأثير التحوير الجينى على صحة وحياة الحيوان :

أوضحنا فى الجزء الخاص بإنتاج الحيوانات العبر جينية أن معدل الوفيات مرتفع جداً فى الأجنة المهندسة وراثياً فى جميع أنواع حيوانات المزرعة على حد سواء. وحتى الحيوانات التى تولد حية تموت أيضاً فى عمر مبكر نسبياً. وعند نقل الجين الذى يكود لهرمون النمو إلى هذه الحيوانات تحدث تشوهات خلقية واضحة . 

          فى الأرانب العبر جينية لاحظ كوستا وآخرون (Costa et al. 1998) أن زيادة إفراز هرمون النمو أدت إلى ظهور أعراض مشابهة لما يحدث فى الإنسان عند زيادة إفراز هذا الهرمون بعد البلوغ (فى الإنسان زيادة إفراز الهرمون بعد البلوغ تؤدى إلى ما يعرف بـ Acromegaly وفيه تتضخم بعض الأعضاء مثل الأنف والأيدى والأقدام بطريقة غير طبيعية).

          وفى الأغنام فقد أدى نقل الجينات التى تشفر لهرمون النمو إلى مشكلات صحية كبيرة أهمها مرض السكر (Rexroad et al. 1990, 1991) والإضرار بوظائف الكبد والكلى والقلب (Nancarrow et al. 1991). أما فى الخنازير العبر جينية فقد حدثت تشوهات فى الأعضاء الداخلية (المعدة- القلب الرئتين) وأمراض جلدية، بالإضافة إلى انخفاض الخصوبة.

          وفى الأسماك العبر جينية ذات النمو السريع حدثت تشوهات فى رءوسها، وفى أجزاء أخرى من الجسم، بالإضافة إلى حدوث أورام، وتغيرات فى اللون وتشوهات فى الزعانف والفقرات ونموات غير طبيعية فى الخياشيم وغياب بعض أجزاء من الجسم (Christ & Schurkens, 2003). كما لوحظ أيضاً تغيرات فى بيولوجياً السلوك فى أسماك السالمون العبر جينية، مثل النقص الشديد فى القدرة على السباحة بالإضافة إلى تغيرات فى السلوك الغذائى (Farrel et al. 1997).

 

العبث بالجينات..أكبر مساوئ الهندسة الوراثية!

يحاول بعض الهواة العبث بالجينات لمجرد إثبات الذات أو تحقيق بعض المنافع الشخصية، وهذا أسوأ ما يمكن أن تتمخض عنه الهندسة الوراثية..العبث بمخلوقات الله وتغيير صفاتها وخصائصها التى اختصها بها الخلاق العظيم  )...فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ...( (1). مثال ذلك ما حدث فى معهد الأبحاث القومى للمحاصيل بفرنسا (INRA) حيث اتفق أحد هواة الفن ويدعى ادواردو كاك Edwardo Kac مع بعض العلماء هناك على إنتاج أرنب يعطى لوناً أخضراً متوهجاً Fluorescent ليعرضه فى معرض خاص بفن الهندسة والوراثية Avignon. وفعلاً قام العلماء الفرنسيون بنقل الجين الذى يشفر لانتاج البروتين الفلوروسنتى من قنديل البحر Jellyfish إلى بويضة أرنب مخصبة، وتم ولادة أرنب بالمواصفات المرغوبة فى فبراير من عام 2000م، هذا الأرنب لونه يبدو أبيض طبيعى فى ضوء النهار، ويتغير إلى الأخضر المتوهج عند تعرضه للأشعة الفوق بنفسجية UV.
 

وقد قام العلماء بتحوير الجين بحيث يصبح أقوى مرتين من الجين الأصلى. ولكن بسبب الاعتراضات الشديدة التى قوبل بها هذا المشروع امتنع العلماء الفرنسيون عن تسليم الأرنب للفنان المذكور، وقالوا إن هدفهم كان التوصل إلى طريقة لتمييز Tagging الأجنة المهندسة وراثياً، وأنهم كانوا يشتغلون فى هذا المشروع قبل أن يقابلوا ادواردو كاك بأكثر من 18 شهراً .

المراجــع :

1-Amanuma, K. et al. (2000): Transgenic zebrafish for detecting mutations caused by compounds in aquatic environments. Nature Biotech., 18: 62-65.

2-Carvan, M.J. et al. (2001): Oxidative stress in zebrafish cells: potentially utility of transgenic zebrafish as a deployable sentinel for site hazard ranking. The Science of the Total Enviroment, 274: 183-196.

3-Costa, C. et al. (1998): Transgenic rabbits overexpressing growth hormone develop acromegaly and disbetes mellitus. The FASEB J., 12: 1455-1460.

4-Damak, S. et al. (1996): Improved wool production in transgenic sheep expressing insulin-like growth factor 1. Bio/Tech., 14: 185-188.

5-Denning, C. et al. (2001): Deletion of the a(1,3)galactosyl transferase (GGTA1) gene and the prion protein (PrP) gene in sheep. Nature Biotech., 19: 559-562.

6- Farrell, A.P. et al. (1997):  Growth-enhanced transgenic salmon can be inferior swimmers. Can. J. Zoology, 75: 335-337.

7-Golovan, S.P. et al. (2001): Pigs expressing salivary phytase produce low-phosphorus manure. Nature Biotech., 19: 741-745.

8-Gordon, J.W. et al. (1980): Genetic transformation of mouse embryos by microinjection of purified DNA. Proc. Nat.Acad. Sci., USA 77: 7380-7384.

9-Guillen, I. et al. (1999): Safety evaluation of transgenic tilapia with accelerated growth. Marine Biotech., 1: 2-14.

10-Hammer, R.E. et al. (1985): Production of transgenic rabbits, sheep and pigs by microinjection. Nature, 315: 680-683.

11-Harvey, A.J., et al. (2002): Expression of exogenous protein in the egg white of transgenic chickens. Nature Biotech. 20 (April):396-399.  Abstract .

12-Hew, C.L. et al (1999): Liver-specific and seasonal expression of transgenic Atlantic salmon harboring the winter flounder antifreeze protein gene. Transgenic Research, 8 (6), pp. 405-14 .

13-Kerr, D.E. et al. (2001): Lysostaphin expression in mammary glands confers protection against staphylococcal infection in transgenic mice. Nature Biotechnology, 19:66-69 .
 

14-Lo, D. et al. (1991): Expression of mouse IgA by transgenic mice, pigs and sheep Euro. J. Immunology, 21: 1001-1006 .

15-Mcpherron, AC, AM Lawler, SJ Lee. (1997): Regulation of skeletal muscle mass in mice by a new TGF-b superfamily member. Nature, 387:83 .

16-Mcpherron, AC, SJ Lee. (1997): Double muscling in cattle due to mutations in the myostatin gene. Proc Natl Acad Sci. USA, 94:12457 .

17-Muller, M. et al. (1992):Transgenic pigs carrying cDNA copies encoding the murine Mxl protein which confers resistance to influenza virus infection. Gene, 121: 263-270 .

18-Nancarrow, C.D. et al. (1991): Expression and physiology of performance regulating genes in transgenic sheep. J. Repr. Fert. Devel (Suppl), 43: 227-291.

19-Rexroad, C.E. et al. (1991): Transferrin-and albumin-directed expression of growth-related peptides in transgenic sheep. J. Anim. Sci. 69 : 2995-3004 .

20-Rexroad, C.E. et al. (1990): Insertion, expression and physiology of growth-regulating genes in ruminats. J. Repro. Fert. (Suppl), 41: 119-124 .

21-Salter, D.W. & Crittenden, L.B. (1989): Transgenic chickens : insertion of retroviral vectors into the chicken germline. Theor. Appl. Genet, 77:47-461 .

22-Sin, F.Y.T. (1997): Transgenic fish. Reviews in Fish Biology and Fisheries,
7: 417-441.

23-http:// www.bbc.co.uk/science/genes/gene safari/breeding zone/animal.shtml .

24-http://www. Usatoday.com/tech/news/2003-08-14-animal-genetics x.htm .

25-http://www .irishscientist.ie/2002/contents.asp? contentxml = 02 p175.xml .

26-http://web.ics.purdue edu/ ~bumuir/cv 2004.html .

27-http://www.mindfully. org/GE/2004/Monsanto -Truth- rBGH2 feb 04.htm .

28-http://pewagbiotech.org/resources/issuebriefs/feedtheworld.pdf.

29-http://www.exploeatoratorium.edu/origins/ antarctica/ideas/fish. Html .

30-http://www.Howstuffworks. Com/ news - item 38. Htm .

31-http://www.Gene. Ch/ genet/ 2003/ Jul/ msg 00129. Html .

32-http://www.Genewatch. Org/ GM animals/ Reports/ Gmanimals Rept.pdf.

33-http://www.Obesity. Org/education/ global. Shtml .

34-http://www.Pdrhealth. Com/drug ingo/nmdrugprofiles/nutsupdrugs/ins 0303 shtml .

35- http:// www.jhu. edu/~jhumag/ 0697 / web/science/ html .

36- http:// www. Sciencenews. Org/articles/ 20020406/ fob 5. Asp .

37- http:// publish. Gio. Gov. tw/ FCJ/past/ 04013032. Html .

38- http:// www ipn. Uni-kiel.de/eibe/english/ ul 1.htm .

39- http:// www.thinkmuscle. com./articles/ volk myostatin. Htm .

40- http:// www. Nationalcatholicreporter. Org/ word/ word 092404.htm .

41-http://www.bbc.co.uk/science/genes.gene safari/wild west/glowing gallery.shtml.

42- http:// www.nus.edu.sg/ corporate / research/ gallery/ research 12.htm .


(1) سورة العنكبوت، الآية 41.

(2) سورة الحديد، الآية 25.

(1) سورة آل عمران، الآية 191.

(1) سورة الروم، الآية 30.

 

الصفحة الرئيسية